الخميس، 10 ديسمبر 2009

دورة حول المسجد الاقصي المبارك ... الاسبوع الثاني


مقدمة:

نتناول خلال هذا الأسبوع بداية الحديث عن مفصل هام جداً من مفاصل علوم المسجد الأقصى المبارك، وهو تاريخ المسجد الأقصى المبارك بشكل مفاصل تاريخية نحاول من خلالها التعرف على حقيقة تاريخ المسجد الأقصى المبارك، ونحاول توضيح النقاط غير الواضحة في تاريخ المسجد والمدينة المقدسة. ونتناول بالبداية خلال هذا الأسبوع تاريخ المسجد الأقصى المبارك منذ بداية بناء المسجد إلى وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك يعني تاريخ المسجد قبل الإسلام.

البناء الأول والفترة اليبوسية:

"من أول من بنى المسجد الأقصى المبارك؟؟".. هذا السؤال هو أول الأسئلة التي تتبادر إلى ذهن دارسي علوم المسجد الأقصى المبارك من الناحية التاريخية... وللإجابة على هذا السؤال يجب علينا أن نبدأ بالاطلاع على الحديث الشريف التالي:

عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: قلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلاً؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ. قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الأقْصَى. قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً.." (رواه البخاري ومسلم)

يعطينا الحديث الشريف إشارة واضحة إلى توقيت بناء المسجد الأقصى المبارك، أي بعد وضع المسجد الحرام في الأرض بأربعين عاماً، وقد اختلف العلماء والمؤرخون في مسألة البناء الأول للمسجد الأقصى المبارك على ثلاثة أقوال:

1- البعض قال إن المسجد الأقصى المبارك بني لأول مرة على يد الملائكة، وذلك قبل وجود البشر على الأرض.
2- والبعض الآخر قال إن الأقصى المبارك بني لأول مرة على يد سيدنا آدم عليه الصلاة والسلام.
3- والقول الثالث ينص على أن الأقصى المبارك بني للمرة الأولى على يد سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام.


ولتحليل هذه النقطة، نتناول كلمات هامة في الحديث الشريف، أهمها كلمة (وُضِعَ)، وكلمة الوضع في الأرض في هذا الحديث تعني التسمية والتحديد، فأول مكان سمي في الأرض مسجداً وتقرر أنه مسجد لله تعالى هو المسجد الحرام، ويجوز أن يكون المقصود بناؤه الأول، أي تحديد معالمه فوق الأرض، وفي هذا المعنى أيضاً يكون البناء الأول للمساجد على وجه الأرض كان للمسجد الحرام، وبعده بأربعين عاماً يأتي بناء المسجد الأقصى المبارك وتحديد معالمه.

وبالنسبة لهوية الباني الأول للمسجد الحرام فقد استدل أصحاب الفريق الأول بأن الملائكة هي التي بنت المسجد الحرام لأول مرة اعتماداً على بناء البيت المعمور في السماء، والذي ذكر في الحديث الشريف في حديث الإسراء والمعراج، ولكن رد أصحاب الأقوال الأخرى على هذا القول بأن البيت المعمور في السماء وضع للملائكة وصلاتهم فيه، فبنته، وأما البيت الحرام في الأرض فقد وضع للبشر ولصلاتهم، وبالتالي فإن الأرجح أن يكون من بناء البشر.

ويكون الخلاف الأهم بالتالي بين أصحاب القولين: (الثاني والثالث) وهو في بناء البيت الحرام بين (آدم) و(إبراهيم) عليهما الصلاة والسلام، فقد قال أصحاب الرأي القائل إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام هو الباني الأول بأن القرآن الكريم ذكر في القرآن الكريم قصة بناء الكعبة على يد إبراهيم عليه الصلاة والسلام: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم)/ البقرة127. والمعروف أن إبراهيم عليه السلام كان يعيش في فلسطين، والمعروف تاريخياً أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام دخل المسجد الأقصى المبارك وصلى فيه والتقى فيه بالملك الصالح (ملكي صادق) اليبوسي.

ولكن رد عليهم أصحاب القول الآخر بأن كلمة (يرفع) تدل على أن بناء إبراهيم عليه السلام للمسجد الحرام كان بناء ترميم وليس بناء تأسيس، والدليل على ذلك قول الله تعالى على لسان إبراهيم عليه الصلاة والسلام عندما ترك السيدة هاجر وإسماعيل عليه السلام وهو صغير في مكة المكرمة: (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة)/ إبراهيم37 ، والمعروف أن إبراهيم عليه السلام بنى البيت الحرام مع إسماعيل عليه السلام عندما كبر..!! ومعنى أنه ذكر أن هذا المكان الفارغ هو (بيت الله المحرم) فذلك يعني أن المكان كان معروفاً أنه مكان المسجد الحرام قبل إبراهيم عليه السلام وبنائه له..!! وبالتالي فإن بناء الأقصى يكون قبل إبراهيم عليه السلام أيضاً، ويرجح القول بأن آدم عليه السلام هو أول من بنى المسجد الحرام والمسجد الأقصى المبارك لأنه أول البشر وأول الأنبياء أيضاً.

ومما سبق يرجح لدينا القول بأن أول من بنى المسجد الأقصى المبارك بعد بناء المسجد الحرام بأربعين عاماً كان سيدنا آدم عليه الصلاة والسلام أول البشر والأنبياء، وبناء آدم عليه السلام للمسجد الأقصى المبارك كان بناء تحديد لحدوده المعروفة حالياً وهي 142 – 144 دونماً..!! والعجيب أن بناء وحدود المسجد الأقصى المبارك بقيت كما هي منذ ذلك الوقت إلى وقتنا الحاضر.. وسبحان من حفظ بيته المقدس كما حفظ بيته الحرام ومسجد نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم...!!!

بنى آدم عليه الصلاة والسلام المسجد الأقصى المبارك بأمر الله تعالى وبتحديد حدوده من عند الله سبحانه، وتعاهده من بعده المؤمنون، إلا أن أخبار المسجد الأقصى المبارك انقطعت فيما بعد ذلك في العهود البائدة من بعد آدم عليه السلام لانعدام التأريخ في تلك الفترة، ولم تذكر أي مصادر تاريخية أو تراثية أو أثرية تلك الفترة الموغلة في القدم القليلة البشر، إلى أن حفظت لنا سجلات التاريخ أول مجموعة من البشر قدمت لهذا المكان المبارك واستوطنته للمرة الأولى في التاريخ، وهم اليبوسيون من بطون العرب الأوائل، وذلك منذ أكثر من ستة آلاف عام.

واليبوسيون هم من بطون العرب التي هاجرت من موطنها الأصلي واستقرت في القدس الشريف وما حولها، وعرفت تلك الأرض باسمهم (أرض اليبوسيين) وتبعهم في الهجرة بطون الكنعانيين الذين سكنوا معظم مناطق الشمال الفلسطيني وسميت باسمهم (أرض كنعان)، وأهم المدن في فلسطين في تلك الفترة كانت (يبوس) وهي القدس الشريف التي دعيت بهذا الاسم نسبة لليبوسيين، وهناك مدن أخرى هامة في تلك الفترة مثل (شكيم) وهي نابلس اليوم، و(حبرون) وهي الخليل اليوم، وغيرها من مدن فلسطين التي اصطبغت بتلك الصبغة منذ البداية.

ومن أشهر ملوك القدس الشريف في تلك الفترة الملك (ملكي صادق) الذي عرف عنه صلاحه ودفاعه عن المدينة المقدسة، حيث وقف في وجه الغزوات المتتالية من الكثير من الشعوب المجاورة من مصر والعراق وغيرهم وصدها، وكان هذا الملك يحكم القدس الشريف حين جاءها إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وذكر في الآثار التاريخية أنهما التقيا، وأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام صلى في الأقصى المبارك في عهد (ملكي صادق)، وجدد إعماره.

ومن الجدير بالذكر أن بقايا الآثار اليبوسية في المدينة المقدسة ما تزال باقية في سورها الجليل، حيث تظهر بعض الحجارة اليبوسية على سبيل المثال في أخفض زوايا السور المقدسي، وهي الزاوية الجنوبية الشرقية من سور الأقصى المبارك، والتي تشكل نقطة نهاية مقبرة (باب الرحمة) اليوم، وتعتبر هذه المنطقة أقدم الآثار الإنسانية في مدينة القدس كاملة.

الحكم الهكسوسي.. والفراعنة.. وحكم العمالقة:

وفي هذه الفترة تعرضت القدس للغزو الهكسوسي الذي ضمها إبان اجتياح الهكسوس لمصر والشام، وفي هذه الفترة ظهر سيدنا يعقوب عليه الصلاة والسلام بعد سيدنا إسحق عليه الصلاة والسلام، وظهر بنو إسرائيل الذين استوطنوا جنوبي بادية النقب مع يعقوب عليه السلام إلى أن انتقلوا للحياة مع سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام في مصر حسب ما نص القرآن الكريم (وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين).

وفي تلك الآونة ظهرت قبائل جديدة بدأت تفد إلى أرض كنعان ويبوس من خلال البحر الأبيض المتوسط وجزر (كريت) وما حولها، وهم قبائل (بلستيا) الذين دخلوا البلاد واندمجوا بأهلها لتصبح البلاد معروفة باسمهم (فلسطين).

وما إن ضعف الوجود الهكسوسي في فلسطين حتى خضعت المدينة المقدسة كباقي مناطق فلسطين إلى سلطة الفراعنة في مصر، الذي كان لهم نفوذ كبير في تلك الفترة وخاصة في الحكام، إلا أن القدس وما حولها من الأراضي الفلسطينية كانت تتمتع بحكم شبه ذاتي مع وجود الحكام الموالي للفراعنة.

وقد وجدت عدة أدلة وآثار تاريخية تؤرخ لتلك الفترة، ونص الكثير من الباحثين الأثريين أن ما يسمى (طنطور فرعون) والموجود في وادي قدرون هو قبر يرجع للفترة الفرعونية لتشابه البناء فيه مع البناء الفرعوني، ووجود بعض الأدلة الأثرية المشابهة للآثار الفرعونية في المنطقة، وهذا الأمر في طريقه للبحث والتنقيب الدقيق لزيادة التأكيد على هذا الأمر، حيث تزعم سلطات الآثار الإسرائيلية في هذه الأيام أنه هذا النصب هو عبارة عن قبر يرجع للفترة اليهودية الأولى ويسمونه (نصب أَبشالوم) وهو في عقيدتهم من أبناء داود عليه السلام.

ولا تذكر لنا المصادر التاريخية أحوال المسجد الأقصى المبارك بالتحديد في تلك الفترة، أي فترة ما بعد يعقوب والأسباط عليه السلام، إلا أننا نعلم أن يعقوب عليه السلام ومن قبله أبوه إسحق عليهما السلام زارا المسجد الأقصى المبارك وصليا فيه، وعمراه، مع العلم بأن هذا الأمر لا يعطي أي حق لليهود في المسجد الأقصى المبارك..!! لأننا كمسلمين نعلم من القرآن الكريم أن الأنبياء جميعاً مسلمون، وأن إبراهيم وإسحق ويعقوب والأسباط هم مسلمون كما قال الله تعالى في القرآن الكريم: (أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى، قل ءأنتم أعلم أم الله، ومن أظلم ممن كتم شهادةً عنده من الله، وما الله بغافل عما تعملون)/ البقرة140 ،(يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون)/ آل عمران 65.

ونحن كمسلمين نعلم أن جميع الأنبياء على ديانة الإسلام الحنيف، وليس كما يدعي اليهود والنصارى، ولنا في القرآن الكريم خير دليل ورد على كل ادعاءاتهم، ثم إن اليهود الموجودين حالياً لا يمتون بصلة لا دينياً ولا عرقياً ليعقوب عليه الصلاة والسلام ولا لأبنائه الكرام...!! ولذلك وجب التنبيه.

وبحكم الفراعنة للمدينة المقدسة ودخول العناصر الخارجية من قبائل بلستيا واندماج أهل الأرض المقدسة معهم ومع باقي شعوب المنطقة دخلت العقائد المنحرفة عن ديانة إبراهيم الحنيفية عليه الصلاة والسلام، وبدأ الانحراف العَقَديُّ يظهر واضحاً في سلوك أهل المنطقة وعبادتهم، وبالتالي فإن الانحراف انتقل لمنطقة المسجد الأقصى المبارك بالتأكيد، وباتت الأرض المقدسة في حاجة لإعادة ترتيب العقيدة الصحيحة فيها..!!

ومع ضعف قبضة مملكة الفراعنة في مصر بسبب التناحر فيها على الحكم والتناحر العرقي بين بني إسرائيل من جهة والمصريين من جهة أخرى ضعف الحكم الفرعوني، وظهر الجيل الجديد من سكان مدينة القدس والأرض المقدسة من اليبوسيين والكنعانيين والفلسطينيين ممن تميزوا بالشدة والغلظة والقوة الشديدة، فحكموا مناطق واسعة من الأرض المقدسة مع موالاتهم المعلنة للفراعنة، إلا أن الحكم الذاتي شبه المستقل بدأ يظهر في المنطقة، وهؤلاء هم الذين قال عنهم الله سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم على لسان بني إسرائيل: (قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين) المائدة/22، كما أن لهم تسمية أخرى معروفة عنهم في التاريخ وهي (القوم العمالقة)، وهؤلاء القوم كانوا على أشد الانحراف الديني عن المنهج الصواب في العقيدة..!!

وهنا يأتي دور التوجيه الرباني للمحررين الأوائل لهذه الأرض المقدسة، سيدنا موسى عليه وسلم وقومه بني إسرائيل المسلمين.

رسالة سيدنا موسى عليه السلام، وحكم بني إسرائيل:

الحقيقة أن الكثير من المسلمين لا يعلمون حقيقة رسالة سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام وحقيقة دعوته الإسلامية الكريمة، فيظنها الكثيرون دعوةً لفرعون ليكون من المسلمين..!!! ويظن البعض أن سيدنا موسى عليه السلام أرسل لفرعون والمصريين، فإذا قرأوا آيات القرآن الكريم اختلط عليهم الأمر في دعوة فرعون في طلب موسى عليه السلام: (إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم)/ طه47. وإذا تلوت القرآن الكريم تجد الحديث بين موسى وفرعون ليس حول دعوته لنصرة موسى عليه السلام، وإنما حول عنوان واحد هو: (بنو إسرائيل) وتركهم يذهبون مع موسى عليه السلام..!! كذلك لم نجد في القرآن الكريم ما يفيد بأن موسى عليه السلام أرسل لدعوة بني إسرائيل لعبادة الله، وإنما الواضح من جميع الآيات المتحدثة عن قصة موسى عليه السلام أن بني إسرائيل مسلمون فعلياً.. وليسوا من عبدة غير الله تعالى.. بل يعلمون أنه لا إله إلا الله.. ولكن مشكلتهم كانت طغيان المادية عليهم، والواضح من رسالة موسى عليه السلام أنه أرسل إليهم ليخرجهم من مصر.. اقرأ الآيات التالية:

* (حقيق علي أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم بآية من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل)/ الأعراف 105.

* (أن أرسل معنا بني إسرائيل) / الشعراء 17

* (ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمننَّ لك ولنرسلنَّ معك بني إسرائيل) / الأعراف 134

الآيات واضحة... والدليل واضح على أن هدف الدعوة شيء آخر.. والحقيقة أنه لو كان هدف دعوة موسى عليه السلام دعوة الفراعنة والمصريين لما أوحى الله تعالى إليه بالخروج من مصر كما في الآية الكريمة: (وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون) / الشعراء 52. وغيرها من الآيات الدالة على ذلك في سورة الدخان وسورة طه. وعندما خرج بنو إسرائيل خرجوا جميعاً من مصر، أي أن المقصود كان إخراج بني إسرائيل بصفتهم أهل الإيمان في الأرض في ذلك الوقت من مصر.. ولكن إلى أين؟؟؟ إلى فلسطين.. إلى القدس.. اقرأ الآية الكريمة: (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم) / المائدة 21.

إذن، يتبين لنا من كل هذه الآيات، ومن ترتيب الأحداث في قصة موسى عليه السلام، ومن قصة بني إسرائيل بعد ذلك ورفضهم دخول الأرض المقدسة (إن فيها قوماً جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها) المائدة/ 22، يتبين لنا أن هدف رسالة موسى عليه السلام كان إخراج بني إسرائيل من مصر، وقيادتهم إلى الأرض المقدسة التي كان فيها القوم الجبارون ليخرجوهم منها ويحلوا مكانهم.. أي بمعنى آخر: تحرير الأرض المقدسة من القوم الجبارين..!!!

المعنى واضح، والهدف الآن توضح، وعندما ندرس قصة وسيرة سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام مع بني إسرائيل في سياق هذا الهدف الكبير تتبين لنا الأمور المبهمة في القصة، ويتبين لنا سبب عقاب بني إسرائيل بالتيه في الأرض لأربعين عاماً بعد رفضهم دخول الأرض المقدسة وتحريرها، ويتبين لنا أيضاً هدف وسياق قصتهم مع النبي الآخر الذي أدخل بني إسرائيل (المؤمنين في ذلك الوقت) إلى الأرض المقدسة في قتالهم لجالوت قائد العمالقة (الفلسطينيين الكافرين في ذلك الوقت) وبالتالي تحرير المسجد الأقصى المبارك وإعادته لشريعة الله تعالى.

وسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء، فانقلبت الأحداث اليوم، واصبح مؤمنو الأمس هم كفار اليوم، وأصبح كفار الأمس هم مؤمنو اليوم الذين يدافعون عن الأرض المقدسة في وجه أصحاب السلطان الغائر الزائل...!!!!

وفعلاً، تاه بنو إسرائيل في الأرض أربعين عاماً حتى ظهر منهم جيل يستحق تحرير الأرض المقدسة، وعمرانها بشرع الله تعالى، ليقودهم بعد ذلك أحد أنبيائهم (تذكر مصادر اليهود بأن اسمه "يوشع") ويدخلهم الأرض المقدسة بعد أن اختار لهم (طالوت) ملكاً، وهذه القصة موجودة في سورة البقرة في القرآن الكريم، كما أنها موجودة بشكل قريب للقرآن الكريم في التوراة، مع تسمية (طالوت) باسم (شاول) في التوراة. ومضى بنو إسرائيل للأرض المقدسة، حيث كان خروجهم أيام موسى عليه السلام عن طريق لسان البحر الأحمر المواجه لسيناء، وبالتالي فإن أرجح مكان للتيه هو صحراء سيناء، على خلاف بين العلماء في ذلك، وينتقلون إلى شرقي الأردن ليدخلوا الأرض المقدسة من جانب الأردن الشرقي.

وأما دليل ذلك من التاريخ فهو ما عرف في التاريخ المعاصر باسم (رسائل تل العمارنة) التي عُثر عليها عام 1887م (وهي رسائل تبادلها كل من الفرعونين أمينوفيس الثالث وأمينوفيس الرابع (إخناتون) (اللذين عاشا فيما بين 1410 ـ 1360 ق.م) من ناحية، وبين أمراء وملوك الشرق الأدنى من ناحية أخرى، وخاصة (الفلسطينيين) الجبابرة الذين عاشوا في الأرض المقدسة، وكنا قد ذكرنا أن ملوك الفلسطينيين كان لهم حكم ذاتي واسع، إلا أنهم كانوا يبينون ولاءهم علناً للفراعنة، وسرعان ما انتهى هذا الولاء بانتقال الأرض المقدسة إلى غيرهم.

"في هذه الرسائل نقرأ أن "أديهبا" والي القدس أرسل إلى فرعون مصر يخبره أن قبائل وعشائر أخذت تنزح من الصحراء إلى فلسطين، وأن هذه القبائل تهدد الأمن، وتسبب كثير من الفوضى والاضطراب نظرًا لأعمال السلب والنهب التي تقوم بها. وإذا واصلنا قراءة هذه الرسائل وجدنا أديهبا يطلق على هذه القبائل اسم (خبري) أي (عبري) حسب التسمية المعروفة لنا الآن، إذ إن حرف "خ" يقابله حرف "ع". أما لفظ عبري فهو بدل عبر، بمعنى شاطئ أو ناحية، والمقصود هنا شاطئ الأردن لا الفرات كما ظُن قديماً"(منقول)، حيث أن هذا الرجل كان والياً للقدس، وليس للعراق.

ومن هناك وقعت معركة طالوت وجالوت، وقتل داودُ عليه السلام جالوتَ ملك الفلسطينيين، وبالتالي آل الأمر إلى بني إسرائيل المؤمنين وإلى سيدنا داود عليه السلام الذي سرعان ما انتقل بالمؤمنين لتحرير المسجد الأقصى المبارك والقدس الشريف، وأقام هناك (مملكة داود) التي كان مركزها في ما يسمى اليوم بقرية (سلوان)، ولم يقم عليه السلام مدينته في داخل السور المعروف اليوم، والسبب في ذلك وجود نبع المياه في سلوان (عين سلوان) الغزيرة، ودخل عليه السلام الأقصى المبارك وصلى فيه وعمره.

وهنا تذكر روايات اليهود قصة معينة حول شراء سيدنا داود عليه السلام لأرض المسجد الأقصى المبارك من رجل يبوسي اسمه (أرنان) كان يملكها ويقيم فيها بيدراً، وهذه الرواية لم يرد لها أصل لا في الواقع ولا في الآثار الإسلامية المختلفة، وإنما كانت هذه الرواية اختلاقاً كما نص العديد من المؤرخين والعلماء ليبدو الأمر وكأن اليهود فعلياً اشتروا أرض الأقصى من اليبوسيين أجداد العرب المسلمين الآن..!! وهذه الرواية ليست دقيقة.. وحتى لو صحت هذه الرواية فعلاً.. فإن هذا لا يعطي اليهود أي حق.. بل يعطينا نحن المسلمين المزيد من الحق في المسجد.. ذلك أن اليهود لا يؤمنون بأن داود عليه السلام نبي.. وإنما يسمونه (الملك داود).. ونحن نعتقد أنه نبي مسلم.. وبالتالي فإن ملكية المسجد تبقى للمسلمين.. على أن المعروف تاريخياً أن أرضية الأقصى لم يقم عليها أي بناء إلا المسجد (أي لم يقم عليها أي بناء سوى بيوت العبادة) طوال تاريخها...!!! والتاريخ شاهد حق..!!!

وهكذا قام الحكم الفعلي لأول مرة لبني إسرائيل في الأرض المقدسة، ودام سبعين عاماً فقط، حيث انتقل الأمر بعد سيدنا داود عليه السلام إلى سيدنا سليمان عليه السلام، الذي بنى المسجد الأقصى المبارك مرة أخرى بناء تجديد وإعمار، وفي ذلك ما رواه النسائي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لَمَّا بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خلالاً ثَلاثَةً: سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ فَأُوتِيَهُ، وَسَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأُوتِيَهُ، وَسَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حِينَ فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ أَنْ لا يَأْتِيَهُ أَحَدٌ لا يَنْهَزُهُ إِلا الصَّلاةُ فِيهِ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. وهذا البناء هو الذي يدعي اليهود نسبته إليهم علماً بأنهم لا يؤمنون بنبوة سليمان عليه السلام أيضاً، فيسمونه (الملك سليمان)..!! وعلى كل حال فالأمر سيتضح بإذن الله تعالى أكثر عند الحديث عن عقيدة اليهود والنصارى في المسجد الأقصى المبارك.

وقد يسأل سائل: (لماذا لا نجد أي أثر من آثار فترة سيدنا سليمان عليه الصلاة والسلام مع ضخامتها التي تصل حد الخيال..؟)

ولعل السائل لهذا السؤال لا ينتبه إلى آية عظيمة كريمة في القرآن الكريم، وهي قوله تعالى: (قال رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب (35) فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب (36) والشياطين كل بناء وغواص (37) وآخرين مقرنين في الأصفاد) / ص35-38.

لماذا قال (لا ينبغي)؟؟؟

إن التاريخ هو مختبر القرآن الكريم، وقوله (لا ينبغي) يدل على أنه هذا الملك لا يكون لأحد من بعد نبي الله سليمان عليه السلام، وهذا ما يفسر انتهاء ملكه عليه السلام نهائياً بعد وفاته، فلا ينبغي لأحد من بعده عليه السلام أن يشاهد ملكاً كملكه أو يكون له مثله، ولعله بسبب هذه الدعوة الكريمة منه عليه الصلاة والسلام اختفت مملكته العظيمة من العالم الإنساني والله تعالى أعلم.

البابليون والفرس، وعودة اليهود:

وبوفاة سيدنا سليمان عليه السلام انتهى الحكم الفعلي لليهود في القدس الشريف، فبدأ الفساد يظهر بجلاء ووضوح، وابتعدوا عن منهج داود وسليمان عليهما السلام، وبالتالي استحقوا العقاب، فانقسمت دولتهم إلى قسمين: (مملكة إسرائيل) في الشمال، وعاصمتها شكيم "نابلس"، ودمرها بعد وقت قصير الآشوريون، و(مملكة يهوذا) في الجنوب وعاصمتها أورشليم "القدس". وأما هذه فقد صمدت سنوات عديدة بعد خراب مملكة إسرائيل، حتى انقض عليها الملك البابلي (نبوخذ نصر) ودمرها وأحرق الأقصى المبارك ودمر القدس الشريف، وسبى اليهود إلى خارج الأرض المقدسة، وبالتحديد إلى العراق، وأدبيات اليهود كثيرة في هذا المجال، حيث أن كثيراً من فصول التوراة التي بين أيدينا الآن كتبت في هذا العهد.

وما لبث الفرس أن تمكنوا من تدمير قوة البابليين وبسط سيطرتهم ونفوذهم على المنطقة، وكان لليهود أثر بالغ في مساعدتهم للنصر على البابليين، فقام (قورش) الفارسي بالسماح لليهود بالعودة إلى القدس الشريف، وعادوا وبنوا المسجد الأقصى المبارك مرة أخرى، حيث يدعي اليهود أن هذا البيت الذي بني في تلك الفترة هو (المعبد الثاني)، وسيتم مناقشة هذا الأمر في الأسبوع الخاص بعلاقة النصارى واليهود بالأقصى المبارك.

اليونانيون:

وما لبث الإسكندر الأكبر أن غزا المنطقة وبسط نفوذه عليها وعلى القدس، واصطبغت القدس بالصبغة اليونانية، حيث ذكرت بعض المصادر التاريخية الإسرائيلية أن اليونان حاولوا بسط نفوذهم على المنطقة المقدسة أي على المسجد الأقصى المبارك، وحاولوا السماح بعبادة الأوثان فيه، إلا أننا لا نعلم مدى صح هذه الأخبار إذ إنها من الإسرائيليات عموماً، على أن الأمر لا يستبعد صحته، إذ إن بني إسرائيل في تلك الفترة كانوا لا يزالون موحدين، وكانوا لا يزالون حملة الرسالة برغم فسادهم، فلم يجر عليهم قانون الاستبدال إلا بعد ذلك، بينما اليونانيون عبدة أوثان.

الرومان.. والمسيح عليه الصلاة والسلام:

إلا أن الوجود اليوناني عموماً لم يكن طويلاً في المنطقة، فما لبثت الدولة اليونانية أن تفككت وتقسمت بعد وفاة الإسكندر المقدوني، ولم ينتظر الرومان كثيراً، فسيطروا على المنطقة وعلى المدينة المقدسة، وأصبح اليهود سكان القدس في تلك الفترة مجرد مجموعة من رعايا الإمبراطورية الرومانية، وأعطاهم الرومان حكماً ذاتياً محدوداً، وكان للرومان في القدس آثار كبيرة، ومن أهم آثارهم الموجودة إلى اليوم في القدس شارع (الكاردو) الشهير الموجود إلى اليوم في حارة الشرف في البلدة القديمة.

وفي العهد الروماني اكتسبت القدس الطابع العنيف، فعرفت بين الرومان بأنها مدينة الثورات والاضطرابات، إلا أن سياسة الرومان فيها كانت كثيراً ما تتداول بين السيف والمال.. فأعطي الربانيون والأحبار حكماً واسعاً بين أفراد الشعب اليهودي، إلا أن هذا الحكم لم يكن سياسياً وإنما كان عبارة عن سلطة دينية متمثلة في سدانة المسجد الأقصى المبارك والسيطرة على الأحكام فيه.

وزاد الرومان في ذلك فعينوا على القدس فيما بعد حاكماً شهيراً من دهاة العالم القديم هو (هيرودوس) الذي أعلن أنه ولد من أب يهودي وأم رومانية، واعتنق اليهودية تقرباً لليهود، إلا أنه لم يكن محبوباً بين اليهود ولم يكن قريباً منهم ولم يعترفوا به نظراً لأن الأصل عندهم في إثبات يهودية الابن أن يكون من أم يهودية.

وهيرودوس هذا أقام في القدس الشريف آثاراً كبيرة كثيرة ما يزال بعضها موجوداً وظاهراً إلى هذه الأيام، ومن أهم آثاره في القدس أنه قام ببناء القلعة الكبيرة في القدس، والتي يسميها اليهود الآن (قلعة داود) خطأً، وإنما اسمها الصحيح هو (قلعة هيرودوس)، وهذه القلعة ما تزال موجودة إلى الآن عند باب الخليل في القدس الشريف، وقسمها إلى ثلاثة أبراج سمى كل برج منها على اسم أحد أعزائه، وأهمها وأعلاها برج (فصايل) الموجود إلى الآن بارتفاعه الشاهق، حيث يعتبر أعلى برج في القدس القديمة.

ومن أهم أفعاله وآثاره في القدس تجديد المسجد الأقصى المبارك، حيث قام بنقض بناء المعبد وإعادة بنائه، وعندما نقول (المعبد) هنا فإننا نقصد المسجد الأقصى المبارك، لأن هذه هي التسمية المتعارف عليها في تلك الأيام وفي المصادر التاريخية المختلفة. إلا أن اليهود لم يعترفوا ببنائه، وأصروا على أن معبدهم قد بني مرتين فقط، ورفضوا الاعتراف له بصنيعه.

ويبدو أن الوضع في القدس في تلك الفترة قد انحدر دينياً حتى الحضيض، فاليهود أخذتهم العزة بالإثم، وظنوا أن قانون الاستبدال الإلهي لن يمر عليهم، وبالتالي طغوا وفسدوا وأفسدوا في الأرض المقدسة أيما إفساد.. ولم يحركوا ساكناً لتحرير المسجد الأقصى المبارك من يد الرومان المحتلين الوثنيين، بل كانوا مستكينين للاحتلال يدفعون الجزية وهم صاغرون للرومان.

حتى ظهر فيهم بيت من بيوت اليهود الذين بقوا على الحق والعهد، وهو بيت (آل عمران) الذين اصطفاهم الله عز وجل، وهم عمران وزوجته، من ثم كان منهما ابنتاهما السيدة مريم عليها السلام، وأختها، وزوج أختها النبي زكريا عليه السلام، ونبت من هذه الشجرة الكريمة ابنا الخالة، النبيان الكريمان: يحيى، وعيسى عليهما وعليهم أجمعين أطيب الصلاة والسلام.

إن الناظر في الآيات الكريمة في سورة (آل عمران) التي تتحدث عن آل عمران وغيرتهم على هذا المكان المقدس الطاهر يلمس بوضوح مدى الهم الذي كان يؤرق عمران وزوجه من الوضع الذي آل إليه بنو إسرائيل ووضع المسجد الأقصى المبارك الأسير في أيدي العصاة المنحرفين من جهة، والطغاة المحتلين من جهة أخرى.. حتى كان منهما أن نذرت السيدة زوجة عمران عليها رضوان الله ما في بطنها لله، لبيت الله المقدس، (إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً فتقبل مني إنك أنت السميع العليم)/ آل عمران 35، وهذا ما يفسر استغرابها من ولادة أنثى هي السيدة مريم، لأن التحرير والدعوة تحتاج إلى رجل قادر على التحاور والتواجد في البيت المقدس واحتمال أذى اليهود في تلك الفترة..!!

لكن لله تعالى أمره.. فتكون تلك الصغيرة (مريم) هي البتول التي أخرج الله تعالى من رحمها معجزةً للبشرية هي سيدنا المسيح عيسى عليه الصلاة والسلام، ومن رحم خالته زوجة زكريا عليه الصلاة والسلام أذن الله تعالى لنبي آخر من الأنبياء الكرام بالظهور وهو سيدنا يحيى عليه السلام، وبذلك يتكامل وجود ثلاثة أنبياء دفعة واحدة في بني إسرائيل، هم زكريا ويحيى وعيسى عليهم الصلاة والسلام أجمعين، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الانحطاط الذي وصل إليه اليهود أصحاب الرسالة في تلك الأيام.. ولعل ظهور ثلاثة أنبياء في تلك الفترة فيهم كان بمثابة إنذار أخير لهذه الأمة التي بغت بعد أن كانت الأمة التي فضلها الله على العالمين، فكان ذلك هو الإنذار الأخير لها قبل أن يسري عليها القانون الإلهي في الاستبدال.

وبدا واضحاً أن اليهود فشلوا في هذا الامتحان، ولم يفلحوا في اقتناص الفرصة الأخيرة واستثمارها... فإذا بهم يقتلون نبي الله زكريا ويحيى عليهما السلام، فقطعوا رأس يحيى عليه السلام وقدموه على طبق من فضة لراقصة يهودية، ونشروا زكريا عليه الصلاة والسلام بالمنشار من مفرق رأسه الشريف، وزادوا على ذلك فحاولوا قتل نبي الله عيسى عليه الصلاة والسلام صلباً، إلا أن تداركته رحمة الله تعالى فرفعه الله إليه كما نعلم نحن المسلمون.

والواضح من دراسة سيرة الأنبياء الثلاثة وخاصة عيسى عليه الصلاة والسلام أن مجيئهم كان لتذكير اليهود وإعادتهم إلى الجادة القويمة قبل أن يأتي طوفان التغيير ويأتي عليهم وعلى المسجد الأقصى المبارك الذي كانوا هم المسؤولين عن سدانته وحمايته.

ويذكر العهد الجديد الموجود حالياً لدى النصارى أن اليهود حولوا المسجد الأقصى المبارك إلى سوق للبيع والشراء، فأتاهم المسيح فيه وأخذ يطرد الباعة وهاجمهم صائحاً: (مكتوب في الكتاب: بيتي يدعى مكاناً للصلاة، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص) / لوقا 19 : 46.

كما جاء في العهد الجديد الموجود بين أيدينا حالياً أن عيسى عليه السلام أخبر بالنهاية التي تنتظر هذه المدينة المقدسة من بعده بسبب أفعال اليهود وقتلهم الأنبياء بغير حق، إذ يذكر العهد الجديد قوله مخاطباً القدس: (سيجيء زمان يحيط بك أعداؤك بالمتاريس، ويحاصرونك ويطبقون عليك من كل جهة... ولا يتركون فيك حجراً على حجر) لوقا 19 : 43- 44.

وإن كنا لا نؤمن بكبل ما جاء في الإنجيل والتوراة الموجودين حالياً إلا أننا نعلم أنهما محرفان، وفيهما بقية من صحة، إذ إن هذه النبوءة تحققت فعلياً، فما إن صعد سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام عام 33م حتى بدأت بوادر الثورات والاضطرابات تظهر في القدس الشريف وفي رحاب المسجد الأقصى المبارك، فبدأ اليهود يقطعون طريق الرومان، ويحاولون تخريب تجارتهم وتعاملاتهم، فأشعلوا بذلك غضب الدولة الرومانية التي أرسلت إليهم جيوشاَ متتالية كان أكبرها وأشدها عام 70م عندما قامت الثورة المعروفة باسم (الثورة المكابية)، والمكابيون هم اليهود المتدينون الذين قادوا الثورة ضد الحكم الروماني، وكان أشهر معارك هذه الثورة (حسب التصور اليهودي الحالي) هي معركة (جبل مسعدة) التي تقول المصادر اليهودية أنها كانت أشد المعارك التي حدثت، حيث تمت محاصرة الثوار في منطقة جبل مسعدة في صحراء الضفة الغربية قرب البحر الميت، وقتلوا عن آخرهم (مصادر اليهود تقول إنهم قاموا بعملية انتحار جماعي).

وقام الرومان بقيادة تيطس بمحاصرة المسجد الأقصى المبارك ومدينة القدس، واستباحوا المدينة ودمروا المسجد الأقصى المبارك وجميع معالم المدينة وتركوها خراباً بعد أن أجلوا سكانها اليهود وشردوهم في البلاد، حتى قيل إنهم لم يتركوا فيها حجراً على حجر، ولم يبقوا أثراً لأي معبد أو بيت في المدينة، وتركت المدينة خراباً فارغة، وذكر بعض العلماء والمؤرخين أن الرجل الصالح الذي ذكره القرآن الكريم في سورة البقرة زار القدس في هذه الفترة وأماته الله فيها 100 عام ثم بعثه بعد أن عمرها الرومان مرة أخرى، اقرأ الآية الكريمة: (أو كالذي مر على قريةٍ وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها، فأماته الله مائة عام ثم بعثه، قال كم لبثت، قال لبثت يوماً أو بعض يوم، قال بل لبثت مائة عام، فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه، وانظر إلى حمارك ولنجعلك آيةً للناس، وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً، فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير) / البقرة 259. وذلك على خلاف بين العلماء، وقال الكثير من أهل العلم إنه (عزير) الذي ذكره القرآن الكريم (وقالت اليهود عزير ابن الله)، وقيل إنه قد دفن في قرية قرب القدس الشريف خلف جبل الزيتون مباشرة هي قرية (العيزرية)، وله مقام ومسجد معروف إلى اليوم، والله تعالى أعلم.

وبقيت المدينة فارغة كذلك حتى عام 135م حيث ذكرت المصادر التاريخية أن الرومان حرثوا أرض المدينة بالمحراث، وأقاموا فيها مدينة جديدة سموها (إيليا كابيتولينا)، إلا أنهم أخرجوا حدود المسجد الأقصى المبارك من المدينة، وبقي مهملاً ومتروكاً أرضاً فارغةً لا شيء فيها إلا الصخرة المشرفة وسط أرض خواء.

البيزنطيون:

إلا أن انقلاباً هاماً حدث في العالم القديم بعد المسيح عليه السلام بحوالي ثلاثمائة عام، حين أعلن الإمبراطور الروماني (قسطنطين) وأمه الملكة (هيلانة) اعتناقهما الديانة النصرانية على المبادئ التي كان ينشرها (بولس) الذي يعتبر أول من حرف الديانة النصرانية عن حقيقتها أيام المسيح عليه السلام، فقال بألوهية المسيح، وأحل لحم الخنزير، وهو بالتالي يعتبر أبا النصرانية الحديثة المنحرفة عن الديانة المسيحية الصحيحة التي جاء بها المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام.

وما إن أعلن الملك وأمه اعتناقهما الديانة النصرانية حتى تم قلب النظام الروماني رأساً على عقب، لتصبح النصرانية هي الديانة الرسمية للدولة، وانقسمت الإمبراطورية الرومانية إلى الإمبراطورية البيزنطية في الشرق، والإمبراطورية الرومانية المقدسة في الغرب، وبقيت الإمبراطورية البيزنطية هي المسيطرة على المدينة المقدسة.

وقد نتج عن هذا التحول التاريخي تغيير كبير في نظام وطبيعة المدينة المقدسة، حيث أصبحت القدس مدينة نصرانية، وبنى قسطنطين وأمه هيلانة الكثير من الأبنية والشواهد التاريخية التي بقي الكثير منها موجوداً إلى الآن، ومن أهمها على الإطلاق كنيسة (القيامة) التي بنتها الملكة هيلانة في المكان الذي قال النصارى إنه هو المكان الذي صلب فيه المسيح حسب عقيدتهم.

كما بنت الملكة (التي رفعت بعد ذلك إلى مرتبة القديسة فأصبحت تسمى القديسة هيلانة) كنيسة المهد في بيت لحم، وآثار ما يسمى (طريق الآلام) في القدس.. وغيرها من الآثار الكبيرة المعروفة.

ومع ذلك فإن العداء من اليهود كان على أشده في تلك الفترة، فترك اليهود خارج المدينة فترة من الزمن، حتى سمح لهم لاحقاً بالسكن في المدينة، وأما المسجد الأقصى المبارك فإنه بقي متروكاً كما هو دون أي بناء.

وبقي الأمر كذلك حتى بعث سيد البشرية محمد صلى الله عليه وسلم، ودخل المسجد الأقصى المبارك ليلة الإسراء والمعراج كما سيأتي لاحقاً في الموضوعات القادمة بإذن الله تعالى.

إلا أن أحد أهم الأحداث السياسية التي حدثت في تلك الفترة هي احتلال الفرس لمدينة القدس الشريف، حيث حصل ذلك أثناء فترة البعثة النبوية الشريفة في مكة المكرمة، إذ إن اليهود الموجودين في القدس تراسلوا مع الفرس ودبروا معهم وبالتعاون مع اليهود خارج المدينة تمهيداً لتدمير القوة البيزنطية، وخان اليهود عهدهم مع البيزنطيين الحاكمين للمدينة، فتعاونوا مع الفرس في حربهم الطويلة ضد البيزنطيين، وأعانوهم على دخول القدس، فارتكب فيها الفرس واليهود مذبحة كبيرةً ذكرتها العديد من الكتب والآثار التاريخية، حيث ذكر أن أكثر من سبعين ألفاً من أهل المدينة قتلوا على يد الفرس، وأحرقت المدينة بالكامل، وفي ذلك يقول الله تعالى (ألم، غلبت الروم، في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين) / الروم 1-4.

وبالفعل تحققت نبوءة القرآن الكريم خلال تسع سنوات، فقام البيزنطيون بهجوم شديد على الفرس نتج عنه احتلالهم القدس مرة أخرى، فطردوا منها اليهود نهائياً، وحرم (هرقل) على اليهود دخول المدينة أو حتى السكن أو التواجد قريباً منها، وأعادوا بناء ما تهدم من المدينة، واهتموا بتجديد كنيسة القيامة وغيرها، وأما المسجد الأقصى المبارك، فإن أرضه أصبحت مكباً للنفايات، وخاصةً عند الصخرة المشرفة، وذلك انتقاماً من اليهود الذين كانت الصخرة المشرفة قبلتهم.

وهكذا بقيت الظلام محيطاً بالأرض المقدسة زهاء سبعمائة عام ثمناً لكفر اليهود وفسادهم وإفسادهم، حتى أتى نور الله تعالى مع الفاتح الأكبر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً، وهو ما سيكون بداية الدراسة في المواضيع القادمة بإذن الله تعالى.


عبدالله معروف

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق