السبت، 26 ديسمبر 2009

دورة عن المسجد الاقصي المبارك ... الاسبوع الرابع

مقدمة:

بدأنا في المادة السابقة الحديث عن تاريخ المسجد الأقصى المبارك في فجر الإسلام، منذ الفتح الأول لنبي الأمة محمد صلى الله عليه وسلم في حادثة الإسراء والمعراج إلى نهاية فترة الخلافة الراشدة وقيام الدولة الأموية على يد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.

تجديد معاوية بن أبي سفيان:

كان لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه باع طويل ومعرفة سابقة وعلاقة قوية مع مدينة القدس الشريف، فهو أحد الذين شهدوا الفتح العمري للمدينة، وكان أحد الشهود على العهدة العمرية التي كتبها الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لنصارى مدينة القدس يوم الفتح.

وبتنازل الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه لمعاوية بن أبي سفيان عن الخلافة بدأ عصر جديد من عصور الأمة الإسلامية ألا وهو عصر الدولة الأموية التي تنتسب لأمية، وهو جد أبي سفيان رضي الله عنه لأبيه، ومعاوية هو: (معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية).

عندما تنازل الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما إلى معاوية بن أبي سفيان بالخلافة أراد معاوية أن يثبت ولايته بأحد أقدس البقاع في الأرض، والأقرب إلى عاصمة الخلافة الأموية (دمشق) فأخذ البيعة لنفسه في مدينة القدس تيمناً بها وطلباً لبركتها، كما قام معاوية بن أبي سفيان بسك أول نقد يحمل اسم (إيلياء) وهي القدس، وكانت صورته على الوجه الثاني، كما حمل هذا النقد اسم (فلسطين) لأول مرة.

وزاد رضي الله عنه فقام في بداية فترة خلافته بتجديد بناء الجامع القبلي الذي بناه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد قدمنا سابقاً أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أمر ببناء الجامع القبلي في مكانه المعروف اليوم باتجاه القبلة في المسجد الأقصى المبارك فبني من الخشب، وكان يتسع في زمانه لألف مصلٍّ.

فلما جاء زمن معاوية كان المسجد قد بدأ بالاهتراء وأصابه الخلل بسبب قدم أخشابه، فقام معاوية بإعادة بنائه على هيئة أوسع، فبناه من الحجارة، وصار في زمانه يتسع لحوالي ثلاثة آلاف مصلي، وبقي هذا المسجد هو البناء الوحيد الموجود في المسجد الأقصى المبارك طوال تلك الفترة، وفيما بعد إلى أن تولى الخلافة عبد الملك بن مروان، الذي يعد أبرز الخلفاء الأمويين من نواحي التشييد والعمران، فقد كان هو الذي بدأ بتشييد العمران الضخم الكبير في المدن والبلدان المختلفة، وكانت أبرز إنجازاته تشييده لأجمل وأعظم صرح بشري عرفته الإنسانية، فقام ببناء قبة الصخرة المشرفة، التي تعد آية في الجمال والعظمة عجزت البشرية أن تنتج مثلها في الروعة والإتقان والجمال.

عبد الملك بن مروان، وبناء قبة الصخرة المشرفة:

عرف عن عبد الملك بن مروان غيرته الشديدة على مسألة العروبة والإسلام، فكان من إنجازاته تعريب الدواوين وسك النقود العربية الإسلامية الشهيرة.

وقد ذكر أن عبد الملك أمر بالبدء في تشييد وبناء مجمع عظيم البناء في المسجد الأقصى المبارك، يكون إظهاراً لقدسية هذا المسجد وعظمته، وتبياناً لأهمية هذا المكان في الإسلام، وكان البدء في البناء هو لقبة الصخرة المشرفة، على اعتبار أنها قبة المسجد الأقصى المبارك كله كما سيأتي بعد قليل.

هذا وقد ذكر مجير الدين الحنبلي نقلاً ما ورد أن عبد الملك بن مروان بلغه افتتان الناس بضخامة قبة كنيسة القيامة وعظمة بنائها وارتفاعها، فجمع عماله وأعلن عن نيته تشييد قبة أعظم وأجمل تبرز قوة الإسلام وعظمته، وتضاهي قباب البيزنطيين وأبنيتهم وتتفوق عليها، واختير لذلك قلب المسجد الأقصى المبارك، الصخرة المشرفة، حيث يتبين من دراسة الآثار الواردة عن ذلك العمل أنه بنى القبة فوق الصخرة لعدة اعتبارات أهمها:

- أن الصخرة المشرفة تقع موضع القلب من المسجد الأقصى المبارك وأنها أعلى نقطة في المسجد.

- أراد عبد الملك أن يجعل قبة الصخرة المشرفة تكريماً وتعظيماً للصخرة المشرفة على اعتبار أنها أرجح الأماكن لمعراج النبي عليه السلام، وهو القول المعروف والسائد عنها، وبالتالي يكون تشريفها بهذا القدر تذكاراً وتخليداً لحادثة الإسراء والمعراج.

- كما أراد عبد الملك (وهذه النقطة غير معروفة على نطاق واسع) أن تكون هذه القبة قبةً للمسجد الأقصى المبارك كله، حيث كان من المتعذر على الدولة الأموية (على غناها وقوتها) أن تقوم بتغطية كامل مساحة المسجد الأقصى المبارك بالبناء، وخاصة بعد ما كاد ينتشر بين الناس أن الأقصى هو الجامع القبلي الذي جدده معاوية (وكان هو البناء الوحيد في الأقصى)، فأراد أن تكون هذه القبة قبةً للمسجد الأقصى المبارك كاملاً، علماً بأن بناء القباب للمساجد كان قد بدأ ينتشر في تلك الفترة، فأصبحت القبة رمزاً للمسجد، وهكذا أراد أن تكون القبة رمزاً وقبةً للمسجد الأقصى المبارك.

ويظهر من شكل وبناء قبة الصخرة المشرفة فعلاً أنها لم تبن لتكون مسجداً خاصاً، بل كانت فكرتها منذ البداية أنها مجرد جزء من أجزاء المسجد الأقصى المبارك، وبالتالي تم بناؤها بشكل ثماني الأضلاع يختلف عن بناء المساجد عادة في الإسلام، والتي تكون في العادة مستطيلة أو مربعة الشكل، وباتجاه القبلة، على أنه لم يغفل هذه الناحية، فقام ببناء عدة محاريب في داخل القبة لتبيان اتجاه القبلة كما سيتبين لنا لاحقاً.

وذكر بعض المؤرخين أن عبد الملك بن مروان لما أمر ببناء القبة أقاموا له قبة صغيرة لطيفة كنموذج لقبة الصخرة، ولها أحد عشر ضلعاً من الخارج، وستة أضلاع تحمل القبة الصغيرة، فلما انتهت زارها وقال: (ابنوا قبة أكبر من هذه باثني عشر ضعفاً وأنقصوا من الأضلاع)، فتم تجهيز وإعداد المخطط لقبة الصخرة المشرفة بأضلاعها الثماني وبدئ بالعمل بها. ومن الجدير بالذكر أن هذه الرواية غير مؤكدة تاريخياً.. وإنما نقلت من مصادر مقطوعة السند، ولكن عند النظر إليها يمكن أن نفهم سبب بناء تلك القبة الصغيرة قرب قبة الصخرة المشرفة، ألا وهي (قبة السلسلة) ولعل هذه القصة وإن لم تحدث فإن شيئاً مماثلاً يمكن أن يكون قد حصل حتى استقر الأمر على بناء القبة بشكلها الحالي.. وإلا لكان بناء قبة السلسلة عبثاً.. ولم يعرف في التاريخ عن عبد الملك بن مروان العبث أو الهزل....!!! على أن قبة السلسلة بعد بنائها استعملت لعدة أغراض، حيث كانت المكان الرئيسي للإشراف على بناء قبة الصخرة، ثم استعملت لأغراض أخرى وبقيت على حالها إلى اليوم، وكان سليمان بن عبد الملك (الخليفة الذي جاء بعد الوليد بن عبد الملك) يحب الجلوس مع حاشيته تحت هذه القبة (قبة السلسلة) عندما كان يزور القدس، كما تزامن مع هذا البناء بناء باب الرحمة المعروف، والموجود حتى وقتنا الحاضر إلا أنه أغلق في زمن لاحق.

ونعود إلى قبة الصخرة المشرفة، حيث يذكر المؤرخون أن البناء فيها قد أشرف عليه مهندسان من أهل فلسطين هما: (رجاء بن حياة الكندي) من أهل بيسان، وهذا الرجل كان المسؤول عن التصميم العام والشكل العام للبناء، أي عن روح البناء وفلسفته، والمهندس الثاني هو (يزيد بن سلام) من أهل القدس من موالي عبد الملك بن مروان (وقيل إنه كان نصرانياً فأسلم بعد ذلك)، وكان هذا الرجل مسؤولاً عن النواحي العملية في هندسة العمارة في القبة. ولا غرو أن يكون رجاء بن حياة الكندي هو المسؤول عن روح المكان فهو فنان إسلامي وكان لذوقه الإسلامي الرفيع أكبر الأثر في إبراز النواحي الفنية الجمالية للروح والفلسفة الإسلامية بالبناء، ويشار هنا أيضاً إلى أن المشرف والمسؤول العام عن البناء كان ولي عهد الخلافة الوليد بن عبد الملك (ولم يكن قد أصبح خليفة بعد)، واستمر العمل في هذا البناء العملاق مدة سبع سنوات أنفق فيه خراج مصر بالكامل عليه، حتى انتهى البناء في القبة في عام 72 هـ تقريباً.

وهنا يذكر بعض المؤرخين قصة تتمثل في زيادة مبلغ من المال الذي أنفق على القبة، وبما فيه أيضاً المال الذي أعطاه الخليفة للمهندسين، فرفضا أن يأخذاه نظير عملهما، فأمر عبد الملك بن مروان أن يسك هذا المال إلى سبائك ذهبية ويفرغ على القبة وتكسى به أبواب المبنى، فتلألأت القبة بالذهب منذ ذلك الوقت.

وهنا يعترض بعض المؤرخين على هذه النقطة على اعتبار أن القبة ذكرت في أوقات لاحقة أنها كانت مغطاة بألواح الرصاص الأسود وليس بالذهب، وذلك في العصور المتأخرة.. ولكن يجاب على ذلك بأن بعض المؤرخين والرحالة ممن زاروا القدس في أيام الدولة العباسية والفاطمية ذكروا أن قبة الصخرة في زمانهم كانت مغطاة بالصفر المذهب (أي مغطاة بالذهب)، ومنهم ابن عبد ربه، وشمس الدين المقدسي وغيرهما، وهذا يبين صحة ما ذهب إليه المؤرخون القائلون بأن القبة كانت مغطاة بالذهب في زمن الأمويين، فمن المعلوم أن الدولة الأموية كانت أغنى بكثير من جميع الدول التي جاءت بعدها، وأقول بدوري (كباحث) إن الدولة الأموية كانت بالفعل أقوى وأغنى وأوسع دولة إسلامية عرفها التاريخ حتى الآن.. وجميع الدول التي جاءت من بعدها كانت أصغر منها حجماً وأقل غنى.. منذ الدولة العباسية إلى الدولة العثمانية..!! حيث أن الدولة الأموية كانت الدولة الإسلامية الوحيدة في التاريخ التي جمعت بلاد العالم الإسلامي كلها من الصين شرقاً إلى الأندلس غرباً في دولة إسلامية واحدة.. وهذا لم يتوفر لأي دولة تالية على الإطلاق...!!!!! حتى الدولة العباسية التي كانت أكثر تقدماً من الدولة الأموية من الناحية العلمية والثقافية.. إلا أنها كانت أقل منها شأناً في المساحة والغنى.

مميزات وجماليات قبة الصخرة المشرفة:

ومن الجدير بالذكر أن البناء في الفترة الأموية بالذات يتميز عن الكثير من الفترات اللاحقة بنظرته الروحانية التي تعتمد على تجسيد الإيمان ومفردات العقيدة الإسلامية على أرض الواقع لإعطاء مزيد من الانطباع بالجمال والعمق لهذا البناء..

فقبة الصخرة المشرفة مثمنة الشكل وقد بنيت على ثماني مدامك (أعمدة كبيرة) تحمل القبة المعروفة، وهذا يذكرنا بالآية الكريمة: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية)، كما أن الأمويين بنوا في الجانب الغربي منها ثلاثة محاريب متجاورة تذكر بالأماكن الثلاثة المقدسة في الإسلام (مكة والمدينة والقدس)، كما أن الجانب الشمالي من القبة يحتوي على سبعة محاريب متجاورة تذكرنا بالسماوات السبع، وكذلك بالأراضين السبع..!!!

كما أن الداخل إلى قبة الصخرة المشرفة يلاحظ أن عدد الأعمدة التي تظهر أمامه في صفي الأعمدة هو خمسة أعمدة..!! وهذا يذكره فوراً بالصلوات الخمس، وبأركان الإسلام الخمس.

وبالنسبة للزخرفة الفسيفسائية الأموية الإسلامية التي تشتهر بها قبة الصخرة المشرفة فإن زوايا الأعمدة في التثمينة الداخلية (أي صف الأعمدة الثمانية الكبيرة في البناء) تحتوي على الثمار والزروع التي ذكرت في القرآن الكريم كالزيتون والرمان والموز والتين والعنب وغيرها، مما يذكر بفاكهة وثمار الجنة.

ولم يكتف البناة بذلك بل حاولوا أن يجمعوا معطيات الزمن في هذا البناء الجميل، فجعلوا حول الصخرة أربعة مدامك (أعمدة كبيرة) تذكر بالفصول الأربعة، وبين هذه الأعمدة الكبيرة أعمدة صغيرة رخامية ملونة عددها 12 عموداً، تذكرنا بأشهر العام، كما إن المحاريب السبعة التي ذكرناها سابقاً في الجهة الشمالية من القبة تذكر أيضاً بأيام الأسبوع السبعة، وكذلك يوجد في قبة الصخرة المشرفة شبابيك عددها 52 شباكاً هو عدد الأسابيع في السنة...!!!! وهناك غير ذلك من الجماليات التي تعطي المجال للمرء ليسرح بخياله ويحاول التقاط وتفهم هذه الأسرار البديعة في البناء الإسلامي، وهذا الكلام كله يثبت أن بناء هذه القبة وغيرها من الأبنية الإسلامية لم يكن تقليداً لفنون الأمم الأخرى، وإنما كان إبداعاً منقطع النظير في تشكيل وتجسيد إيمانيات الفرد المسلم وعقيدته.

الخلاف في باني القبة:

من المهم أن نعرف أن هناك من خالف الإجماع المعروف عالمياً وإسلامياً بأن باني القبة هو عبد الملك بن مروان، حيث أن بعض المؤرخين الأقلة قالوا بأن باني القبة هو الوليد بن عبد الملك وليس عبد الملك بن مروان..!! وهذا الأمر غير دقيق على الإطلاق، حيث ورد في النص الأثري الفسيفسائي الأصلي المثبت على التثمينة الخارجية لقبة الصخرة المشرفة أن سنة إتمام البناء كان سنة 72 للهجرة، ومعلوم أن عبد الملك بن مروان قد كان في تلك الأيام خليفةً للمسلمين، حيث كان قد تولى الخلافة في الفترة من 65 – 86 هـ، وبذلك ينتفي قطعاً احتمال أن يكون الوليد بن عبد الملك هو باني القبة، حيث أن توليه الخلافة كان عام 86 أي بعد الفراغ من بناء القبة بفترة طويلة.

ولكن يبدو أن هذا الرأي ظهر بسبب الخلط بين قضية باني قبة الصخرة والمشرف على البناء، فالمعروف أن عبد الملك بن مروان كان قد كلف ابنه الوليد بالإشراف على بناء القبة، وكان هو المشرف العام على البناء، وذلك لا يعني أنه هو الذي أمر ببنائها، حيث أنه أشرف على البناء بأمر من أبيه الخليفة عبد الملك بن مروان.

الوليد بن عبد الملك.. وبناء الجامع القبلي:

كما أسلفنا فإن الوليد بن عبد الملك كان المشرف العام على بناء قبة الصخرة المشرفة أثناء حكم والده عبد الملك بن مروان، فلما تم البناء رجع إلى دمشق عاصمة الخلافة، استعداداً للمرحلة الثانية من بناء المسجد الأقصى المبارك، وهي مرحلة بناء المصلى الجامع الذي يسمى (الجامع القبلي) وهذا ما حدث بالفعل بعد أن استقر الأمر تماماً لعبد الملك بن مروان بعد انتهاء خلافة عبدالله ابن الزبير رضي الله تعالى عنه على يد الحجاج بن يوسف الثقفي، حيث أوفد الخليفة عبد الملك بن مروان ولي عهده الوليد إلى القدس مرة أخرى للإشراف على إتمام البناء في المسجد الأقصى المبارك، فشرع في بناء الجامع القبلي، وكان بداية ذلك بناء التسوية الجنوبية الممتدة من الشرق إلى الغرب في المسجد الأقصى المبارك، وهي عدة أقسام أهمها الجزء الشرقي وهو ما يسمى حالياً باسم (المصلى المرواني) الذي بني في الأصل ليكون تسوية ليبنى فوقها الجامع القبلي، ثم استعمل بعد ذلك كمخزن ومستودع لأدوات وأجهزة المسجد الأقصى المبارك، أما التسوية في المنطقة الجنوبية الغربية فقد تحولت إلى آبار لحفظ المياه، إلا منطقة مسجد البراق الذي ذكرناه في محاضرة سابقة.

وتزامن مع هذا البناء أيضاً بناء القصور الأموية التي تمتد في المنطقة الجنوبية خارج المسجد الأقصى المبارك، وكان لها مدخل يقع تحت الجامع القبلي بالضبط، ويفضي إلى ممر مزدوج ببوابتين مرتبط مع ساحات المسجد الأقصى المبارك، وما زال هذا المكان موجوداً إلى وقتنا الحاضر، وقد فتح للصلاة عام 1999م، ويسمى (مصلى الأقصى القديم).

ويذكر التاريخ أن عبد الملك بن مروان توفي أثناء بناء الجامع القبلي، فتم البناء على يد ابنه الخليفة الوليد بن عبد الملك، وكان بناء المسجد في زمانه عبارة عن خمسة عشر رواقاً، واحد كبير في الوسط يعلوه جملون (سقف مثلث) وسبعة عن يمينه وسبعة عن شماله، وهذا يعني أنه حجمه كان يبلغ ضعف حجمه الحالي.

اليعقوبي وفريته على الأمويين:

يم يترك المفترون أحداً من افتراءاتهم التي تطال كل أصحاب الإبداعات عبر الزمان، وكان للأمويين خصوصية كبيرة في هذه الافتراءات والأكاذيب، وخاصة عبد الملك بن مروان.

ومن أكثر الذين شنعوا وافتروا على الأمويين ذلك المؤرخ المعروف باليعقوبي، وهو من غلاة التشيع الذين ناصروا الدولة العباسية بشدة، وحمل كثيراً على الدولة الأموية إلى أن اختلق الأكاذيب والافتراءات على الأمويين وخاصة على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وعلى عبد الملك بن مروان، والتي تجد أنصاراً لها بين أعداء المسلمين إلى اليوم وخاصة من اليهود، الذين اعتمدوا كثيراً على أكاذيب هذا الشخص في ادعاءاتهم الباطلة بملكية المسجد الأقصى المبارك وإظهار المسلمين على أنهم ليسوا أصحاب الحق في الأقصى والقدس.

من ذلك تشكك اليعقوبي من فعل معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه في أخذ البيعة بالخلافة لنفسه في القدس بعد نقل عاصمته إلى الشام، حيث ذكر أن معاوية قصد من ذلك إبعاد الأنظار عن مكة المكرمة والمدينة المنورة التي كانت تدين لآل البيت... وهذه فرية عظيمة على رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وادعاء مرفوض على أصحاب النبي الذين تربوا في مدرسته الجليلة صلى الله عليه وسلم، وإنما كان ذلك من معاوية إظهاراً لقدسية هذا المكان المبارك واختاره كونه الأقرب إلى العاصمة (دمشق) في تلك الأيام، وهو بالتالي أفضل الأماكن بركة مما حول دمشق من البلاد القريبة.

كذلك ادعى اليعقوبي أن عبد الملك بن مروان عندما تولى الحكم عام 65 هـ أراد أن يلفت أنظار الناس ويبعدهم عن مكة المكرمة حيث عبدالله بن الزبير رضي الله عنه، فأمر ببناء قبة الصخرة المشرفة لتكون "بديلاً" عن مكة المكرمة في الحج...!!! وهذا الكلام فيه من السخافة ما فيه..!! حيث لا يعقل ابتداءً أن يقوم رجل كعبد الملك عرف عنه حكمته ورشده بمحاولة تحويل قبلة المسلمين وحجهم إلى مكان غير مكة المكرمة كما فعل أبرهة من قبله..!! وتاريخ عبد الملك يشهد له اهتمامه وغيرته الشديدة على الإسلام، ففي زمانه عرب دواوين الدولة، وسك النقود الإسلامية الشهيرة، ولا ينسى أحد فضله في إرساء قواعد الدولة الإسلامية المترامية الأطراف، وضم جميع بقاع الإسلام إليها عموماً، وهذا الأمر حفظ لهذه الأمة وحدة كيانها. ثم إن عمل عبد الملك بن مروان في القدس لم يكن أكبر اهتماماً منه بمكة والمدينة، فهاهو بعد أن ضم الحجاز يقوم فوراً بأداء فريضة الحج إجلالاً لمكة، وهذه الزيارة كانت وما زالت أكبر رد على جميع المدعين من أمثال اليعقوبي، وكذلك فإن عبد الملك بن مروان أمر بالبدء في تعمير الكعبة المشرفة، ومن بعده استمر الوليد على نهجه فأمر بتوسعة وترميم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، وأنفق على ذلك من الأموال الطائلة دون حساب كما أمر أبوه من قبله.

هذا التاريخ الكبير الواضح للأمويين (على اختلافنا معهم في بعض الوقائع التاريخية) وعلى رأسهم عبد الملك بن مروان والوليد بن عبد الملك يرد بنفسه على هؤلاء المتعصبين لفرقهم لدرجة الزج بالافتراءات في صفحات التاريخ البيضاء التي تلفظها ببساطة.

إلى هنا نكون قد وصلنا إلى نهاية دراسة أهم العناصر في تاريخ المسجد الأقصى المبارك في العصر الأموي لنتم بعد ذلك بإذن الله تعالى دراسة تاريخ الأقصى في العصر العباسي والفاطمي والصليبي بإذن الله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق