السبت، 26 ديسمبر 2009

دورة عن المسجد الاقصي المبارك ... الاسبوع السادس

مقدمة:

تحدثنا في المادة السابقة عن الفترة العباسية والفاطمية وفترة الاحتلال الصليبي في بيت المقدس، وبالذات حول أهم الترميمات والآثار العباسية والفاطمية ومن ثم الاحتلال الصليبي في الأقصى المبارك.

مادة اليوم استثنائية جداً، مختصرة ولكنها تمثل لب هذه الدورة وأهم ما فيها من نقاط، مركزين فيها على كيفية تحرير بيت المقدس الشريف أيام صلاح الدين، وهل صلاح الدين هو وحده الذي فتح القدس؟؟ أم أنه كان عبارة عن رمز لذلك الجيل واستمراراً لعقود من العمل المضني والسهر والتعب لتحرير هذا المكان الطاهر؟؟

ولن نأتي على الكثير من تفاصيل الفتح الزنكي والأيوبي، تاركين للطلبة مهمة البحث، فما هذه الدورة إلا مفتاح فقط، نعطيكه لكي تفتح أبواب أمجاد المسجد الأقصى المبارك وعلومه وآثاره وتاريخه، وسنذكر هنا ما يهمنا كباحثين مهتمين بتاريخ المسجد الأقصى المبارك من أحداث وأسماء وأماكن.

وننصح جميع الأخوة والأخوات في هذه الدورة المبسطة بالمبادرة لقراءة – وإن أمكن اقتناء – كتاب (الروضتين في أخبار الدولتين) للقاضي ابن شداد، وهذا القاضي الفاضل عايش الأحداث لحظة بلحظة وعاصرها، وألف بعد ذلك هذا الكتاب الجليل الذي يحكي أخبار (الدولتين) ويقصد بهما الدولة الزنكية، والدولة الأيوبية، ويهتم طبعاً بإبراز كيفية وطريقة تحرير بيت المقدس الشريف على يد السلاطين الثلاثة: عماد الدين ونور الدين وصلاح الدين، رحمهم الله جميعاً. ولذلك ننصح المسلمين جميعاً بالاطلاع على هذا الكتاب الشيق اللطيف، وتجد فيه بإذن الله كل الفائدة.

الدولة الزنكية:

عندما ندرس قضية تحرير البيت المقدس وحيثياتها وكيفيتها بالتفصيل نجد أن تحرير بيت المقدس الشريف لم يبدأ بصلاح الدين الأيوبي أو بأبناء البيت الأيوبي، وإنما كان قد بدأ من البيت الزنكي، الذي أسس دولة آل زنكي في منطقة شمال العراق وامتدت لتشمل الشام ومصر قبل أن يستلم صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى الحكم.

وكانت بداية التحرير مع الملك زنكي بن آق سنقر، الملقب بالملك الشهيد عماد الدين زنكي، واسمه الحقيقي هو (زنكي) وإليه تنسب الدولة الزنكية. وفي عهده كانت الشام تموج بالفتن والانقسامات والأحلاف مع الصليبيين، وكانت بعض المدن أحياناً تشكل إمارة لوحدها وتتحالف مع أعداء الأمة في مواجهة جاراتها من الإقطاعات، وما أشبه وضع الأمة في تلك الفترة بوضعها اليوم، عروش وحروب وفتن تعصف بالأمة والمنطقة ومسجدها الأقصى المبارك يغرق وسط الركام ولا مجيب.

وعلى العكس من بلاد الشام التي كانت قد مزقتها الحروب والفتن السياسية، كانت مصر موحدة، ولكنها مفصولة تماماً عن جسد الأمة الإسلامية، تحت حكم الدولة الفاطمية التي ضيعت بيت المقدس من قبل، وزاد هؤلاء فكان لهم (خليفة) مختلف عن خليفة المسلمين في بغداد، الذي كان أمراء بلاد الشام تابعين له اسمياً. وبالتالي فقد كانت مصر كياناً منفصلاً نهائياً عن جسد الأمة الإسلامية تحت حكم خليفة آخر، مفصولة سياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً، وحتى عقدياً.

وفي هذه الفترة تولى عماد الدين زنكي زمام الحكم في دولة صغيرة تقع شمال منطقة الهلال الخصيب (أي منطقة العراق والشام)، وبدأ من هناك العمل الحقيقي الفعلي لتحرير المسجد الأقصى المبارك.

وكانت إستراتيجية التحرير التي رسمها عماد الدين زنكي رحمه الله تعالى واستمر بتنفيذها كما هي من بعده نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي، تنقسم إلى ثلاثة مراحل:

1- توحيد الشام.

2- ضم مصر والشام وتوحيدهما.

3- الدخول إلى فلسطين وتحريرها فعلياً.

وأثبتت هذه الإستراتيجية جدواها، على أن أصعب مرحلة في هذه الخطة كانت المرحلة الأولى، مرحلة توحيد الشام، وهي التي استهلكت من عماد الدين كل فترة حكمه، ومن بعده نور الدين زنكي الذي استهلكه هذا الأمر جهداً كبيراً وفترة طويلة من سنين حكمه قبل أن يلتفت إلى مصر.

وكانت خطة عمل عماد الدين زنكي تتميز بإعلان الهدف الكبير لكافة تحركاته وهي: (توحيد البلاد وتحرير بيت المقدس) الأمر الذي استقطب إليه بالطبع جماهير الأمة باستثناء حكامها، الذين حاربوه بكل ضراوة وشراسة بادلها عماد الدين بالمثل كما فعل في بعلبك عندما فتحها وقتل حاميتها من هؤلاء الأمراء.

وإلى جانب حربه مع الأمراء المنقسمين، فقد كان لابد لتأكيد هدفه أن يحارب الصليبيين، وتلك هي الموازنة الضرورية بحيث لا يترك لأعدائه فرصة لتأليب الشعوب عليه بزعم عدم محاربته للصليبيين، ولذلك سار الملك عماد الدين رحمه الله بنفسه وهاجم قلاع وحصون الصليبيين أكثر من مرة، كان أقساها وأخطرها على الإطلاق فتح إمارة (الرها) الصليبية في شمال بلاد الشام، وهذه الإمارة كانت تعد أقوى إمارات الصليبيين في الشمال، مما جعل من فتح الرها في الحقيقة أول الانتصارات التاريخية الكبرى على الصليبيين منذ دخولهم أرض المسلمين، وهو الأمر الذي أوجعهم بشدة، وحاولوا استرجاع هذه الإمارة عدة مرات إلا أنهم فشلوا فشلاً ذريعاً، وكان هذا الفتح الجليل هو الشرارة التي أشعلت غضب الشعوب المسلمة على حكامها، وثبتت مكانة عماد الدين زنكي رحمه الله في قلوب المسلمين، وبالتالي فقد كان يستقبل في المدن الإسلامية المفتوحة استقبال المحررين الأبطال.

إلا أن المنية عاجلت القائد المسلم حينما استشهد وهو يحاصر قلعة (جعبر) التابعة لأحد الأمراء المسلمين، وكان استشهاده رحمه الله على يد أحد خدمه، حيث قتله وحاول الفرار إلى داخل حامية قلعة جعبر، إلا أنه ألقي القبض عليه، واقتص منه الملك العادل نور الدين زنكي رحمه الله تعالى.

وهو محمود بن زنكي بن آق سنقر، الملقب بالملك العادل نور الدين، وعندما تذكر اسم (نور الدين زنكي) رحمه الله تعالى فإنك تذكر رجلاً من أعظم رجال المسلمين عدلاً وأدباً وحلماً وقوةً وشكيمةً. فقد استلم الحكم على حين غرة بعد استشهاد الملك الشهيد عماد الدين، وكان رحمه الله ما يزال في عنفوان شبابه، فما زاده ذلك إلا قوة وشدة، وقد أدخل هذا الرجل على قلوب أعداء الأمة من الخوف والرهبة الشيء العظيم.

وكان أول ما فعله رحمه الله هو رجوعه عن قلعة جعبر (التي فتحها فيما بعد)، وبدأ بتثبيت حكمه في المنطق المفتوحة، وكان من أشهر الحوادث في بداية حكمه رحمه الله أن الصليبيين ظنواً أنهم يمكن أن يسترجعوا الرها، فحاولوا اقتحامها، إلا أن نور الدين رجع إليه فردهم عنها بأشد مما كان عليه أبوه رحمهما الله.

وانتقل نور الدين بعد تثبيت حكمه في الشمال وخاصة (حلب) وفي الشرق إلى الجنوب مقترباً من القدس، إلا أنه كان حريصاً على عدم الاصطدام بالصليبيين داخل فلسطين نظراً لعدم جاهزيته، فوجه نظره إلى حاضرة الشام: دمشق، التي كانت تعد أحد أهم المدن في الشام وخاصة لقربها من شمال فلسطين والحدود الصليبية، وكان الصليبيون بدورهم بالطبع يحاولون احتلال هذه المدينة الجليلة أكثر من مرة، ولكنهم فشلوا فشلاً ذريعاً وارتدوا عنها، وكانت لنور الدين رحمه الله.

كان نور الدين يتميز بعدم تقديمه لخيار الحرب قبل المفاوضة والسلم مع أمراء المسلمين، وكان له في ذلك مواقف طيبة في حقن دماء المسلمين أكثر من مرة، ولعل هذا ما فتح له قلوب المسلمين أكثر فأكثر وحتى من بعض حكامهم، وسهل عليه فتح المدن والقلاع والحصون الإسلامية في الشام.

وهكذا استقر الأمر لنور الدين زنكي في الشام وشمال العراق دون منازع أو مخاصم، وبالتالي انتهت المرحلة الأولى من خطة تحرير القدس الشريف، وانتقل الملك العادل رحمه الله إلى المرحلة الثانية، فوجه نظره إلى مصر التي كان الأمر فيها أصعب من الشام، إذ إن الدولة الفاطمية كانت تحكمها منذ مئات السنين، وبالتالي فإن كافة أبناء الشعب المصري كانوا لا يعرفون سوى هذا الحكم الفاطمي الباطني طوال عمرهم ولعدة أجيال.

كما أن طبيعة الحكم الفاطمي الذي ثبت أركانه في تلك الأرض طوال تلك الفترة كانت صعبة الاختراق بسهولة، خاصة مع سيطرة الوزراء على الحكم وبقاء الخليفة الفاطمي اسماً مجرداً من معناه، وكان هذا كافياً ليبقي الملك العادل نور الدين في حالة ترقب للفرصة المناسبة لدخول مصر وإعادتها لحاضرة الخلافة العباسية وجسد الأمة الواحد.

وبنفس الطريقة – مع اختلاف الأسباب بالطبع – فقد لفتت مصر نظر الصليبيين، الذين أدركوا خطة نور الدين، وبدأ السباق بينهم وبينه على الوصول إلى مصر... وهنا جاءت الفرصة المناسبة لتدخل الجيش النوري في مصر عندما استنجد الوزير (شاور) وزير الخليفة الفاطمي العاضد - الذي كان خليفة مريضاً ضعيفاً – بالملك العادل نور الدين على خصومه في الحكم الذين استعانوا بالصليبيين، فأرسل نور الدين جيشاً إلى مصر بقيادة (أسد الدين شيركوه) وابن أخيه (صلاح الدين يوسف بن أيوب) رحمهم الله، فدخل مصر وجعل له فيها موطئاً، وأوقف الزحف الصليبي، إلا أن الوزير شاور ما لبث أن راسل الصليبيين ليستعين بهم على نور الدين..!!! وهكذا تردد الأمر على هذا الرجل بين أن يستعين بنور الدين وبين الصليبيين. إلا أن نور الدين زنكي أكد على تثبيت وجود الجيش الشامي في مصر بأي طريقة، وكانت الفرصة المواتية عندما هاجم الصليبيون مصر من دمياط، فأرسل أسد الدين شيركوه ابن أخيه صلاح الدين إلى دمياط مع الجيش الشامي، وكان حصار ومعركة دمياط هي الشرارة التي أشعلت سخط الشعب المصري على وزير الملك (شاور) وعلى الخلافة الفاطمية، وهي الحاثة التي رفعت اسم (صلاح الدين) عالياً في مصر، وكانت بداية ظهور صلاح الدين علناً.

ذلك أن حصار دمياط كان فيه الصليبيون قد جمعوا معظم ما لديهم من جنود وسلاح، واجتمع فيها جيوش إمارة القدس مع الإمارات الصليبية الأخرى وجيوش بيزنطة التي شاركت كحلف مع أمراء الصليبيين، إلا أن الخلاف دب بين الأحزاب الصليبية، وتبين كي كل فريق للآخر، وانفرط عقد الحلف الصليبي وفشلت حملتهم مع ثبات شعب دمياط الأسطوري بقيادة صلاح الدين الأيوبي، الأمر الذي قوى موقع الجيش الشامي في مصر، وأضعف موقف الوزير شاور الذي اعتبره أهل البلاد خائناً، وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير محاولته اغتيال رموز الجيش الشامي، مما أعطى أسد الدين وصلاح الدين الفرصة المناسبة لقتله بعد القبض عليه بمباركة الخليفة الفاطمي العاضد، الذي ركب بدوره موجة الأحداث وسار مع التيار، فعين أسد الدين شيركوه وزيراً بدلاً من شاور القتيل. ولكن (مؤتمن الخلافة) "وهو أحد المناصب العليا في الدولة الفاطمية" حاول بدوره مراسلة الصليبيين، فاكتشف الأمر وتم اعتقاله، فثار أعوانه واقتتلوا مع الجيش الشامي، وسرعان ما تم إخماد الفتنة.

وبهذا ثبت الأمر لنور الدين زنكي بيد أسد الدين شيركوه وصلاح الدين في مصر، ولم يبق إلا خلع الخليفة الفاطمي وتوحيد مصر مع جسد الدولة العباسية، إلا أن الأمر تم بالتدريج للأسباب التي ذكرناها سابقاً من حيث خصوصية وضع مصر وقدم الحكم الفاطمي فيها.

ففي البداية تم إضافة اسم نور الدين زنكي إلى الخطبة في صلاة الجمعة بعد اسم الخليفة الفاطمي العاضد. وفي هذه الفترة توفي الوزير أسد الدين شيركوه رحمه الله تعالى. واختار العاضد صلاح الدين الأيوبي ليكون وزيره من بعده.

وهنا أمر نورُ الدين زنكي صلاحَ الدين الأيوبي بخلع العاضد، وذلك بقطع الخطبة عنه وجعلها للخليفة العباسي في بغداد، وهو ما تم لاحقاً دون علم العاضد الذي ما لبث أن توفي، وبذلك انقرضت الدولة الفاطمية، وتم توحيد مصر والشام فعلياً واسمياً، وورد لنور الدين زنكي مرسوم الخليفة العباسي بتسميته (سلطان مصر والشام)، وبهذا تمت المرحلة الثانية من خطة التحرير.

وما لبث نور الدين زنكي أن بدأ بالإعداد للمرحلة الحاسمة والأخيرة من خطة التحرير الجليل، فبدأ بدك حصون الصليبيين وقلاعهم، وكان قد صنع في حلب منبراً بديع الصنعة جميل المنظر لم يوجد في الإسلام مثله لأجل المسجد الأقصى المبارك استعداداً للتحرير الكبير... ولكن قدر الله نافذ، وكانت وفاته رحمه الله تعالى قبل أن يحقق حلمه الكبير، ودفن في دمشق، وقبره موجود فيها ومعروف إلى الآن في البلدة القديمة من دمشق.

الدولة الأيوبية:

بوفاة نور الدين زنكي، ظن الجميع بأن الأمر انتهى أو كاد، وخاصة الصليبيين الذين تنفسوا الصعداء بعد أن كاد رحمه الله يدمر وجودهم في الأرض المقدسة، وزاد الأمر تعقيداً باختلاف أمراء البيت الزنكي على خلافة نور الدين رحمه الله، تحت مسمى الحرص على مصلحة خليفة نور الدين زنكي، ابنه الوحيد الذي كان صغير السن وكان يحتاج قيماً عليه.

وانقسم الناس، وبدأت بوادر الانقسامات والفتن تظهر هنا وهناك، وخاصة بعد أن قام بعض قادة البيت النوري بمهادنة الصليبيين. مما أدى بالغيورين على مصلحة الإسلام أن يستنجدوا بصلاح الدين في مصر، والذي كان صيته قد ذاع كأفضل أمراء نور الدين زنكي، فأسرع بدوره إلى الشام وبدأ بتوحيدها مرة أخرى..!!!! وهو ما أخر تحرير بيت المقدس سنوات طويلة...!!!

وهو رحمه الله، الملك المظفر يوسف بن أيوب، الملقب بالسلطان الناصر صلاح الدين، وكان يلقب في الكتابات التأريخية (صلاح الدنيا والدين) من باب التحبب وزيادة الافتخار به وبصنيعه العظيم.

كان أسلوب صلاح الدين الأيوبي يشبه كثيراً أسلوب نور الدين زنكي في الحكم والولاية والتدبير، فكان يميل إلى حقن دماء المسلمين وعدم خوض الحروب فيما بينهم، إلا ما كان من اضطراره لحرب بعض الأمراء الذين خرجوا على الخط وظنوا أن الأمر انتهى بوفاة نور الدين زنكي، فما لبث رحمه الله أن أعاد توحيد الشام مرة أخرى.

وبهذا أصلح صلاح الدين الخلل، وسد الثغرة التي فتحت بوفاة الملك العادل، وأصلح الفساد الذي حصل، ملتفتاً مرة أخرى لتحرير بيت المقدس، الغاية الأسمى.

ومن هنا بدأ السلطان الناصر رحمه الله تعالى خطة عمله، فبدأ من المناطق المجاورة له، أي بادية الشام، وبدأ يفتح الحصون حصناً بعد آخر، وله في ذلك وقعات معروفة شهيرة ذكرها بالكامل القاضي الفاضل (ابن شداد) في كتاب الروضتين.

وكان السلطان يعتمد في إستراتيجيته الحربية أسلوباً حلزونياً، بمعنى أن يحاصر القدس من كل النواحي فيفتح كل حولها من كافة الجهات ليقطع طرق الوصول والإمدادات ويخنق الصليبيين ويحصرهم فيها فقط.

ولهذا كان من اللازم أن يستدرج الصليبيين إلى وقعة كبرى يكسر فيها شوكتهم ويسهل عليه بعدها المسير إلى المناطق المجاورة للقدس الشريف التي كانت تمثل في تلك الفترة أقوى إمارة صليبية في المنطقة على الإطلاق.

ولذلك تم اختيار منطقة (حطين) القريبة من بحيرة طبرية لتكون مكاناً للمعركة، وتم رسم خطة المعركة، ولاستدراج الصليبيين هاجم حصن طبرية وسبى بعض نساء الحصن ومنهم زوجة (ريموند) القائد الصليبي المحنك، الذي أشار – مع ذلك – بعدم الوقوع في فخ صلاح الدين، إلا أن المعارضة كانت شديدة لرأيه، فتم لصلاح الدين ما أراد، وسار إليه الصليبيون في مكان المعركة الذي اختاره هو وخطط له مسبقاً.

وتعتبر موقعة حطين إحدى المعارك الجليلة في تاريخنا الإسلامي، وصفحةً ناصعةً من صفحات هذه الأمة الخالدة، حيث كانت هذه المعركة العظيمة بمثابة جسر للعبور عليه إلى القدس الشريف، فبعد انتصار المسلمين فيها وفرار الصليبيين، انطلق بعضهم إلى أوروبا، وانحاز البعض الآخر إلى القدس ليحتمي بأقوى إمارة وأمنع حصن للصليبيين في المنطقة كلها. وسقطت المدن في طريق صلاح الدين تباعاً... فقد صار بعد حطين إلى نابلس والساحل كله، ومن ثم افتتح مدينة الرملة، وبعدها نزل إلى عسقلان ليجتمع له كامل عدته من الجيش وخاصة المجاهدين المصريين والمغاربة ومن معهم، وما إن اكتملت العدة حتى انطلق بهم إلى القدس الشريف، فوصلها من جهة الغرب في الخامس عشر من شهر رجب الكريم، وبدأ بحصار القدس، ودافع الصليبيون بدورهم بأشد ما يكون القتال، وقد اجتمع لهم فيها ألوف من الجنود، ودام الحصار والقتال 12 يوماً، حين نقب جنود السلطان السور من الزاوية الشمالية الشرقية، وأحرقوه مما تسبب في انهيار جزء من الجدار، فبادر (باليان) قائد الحامية الصليبية في المدينة إلى طلب الصلح، فوافق السلطان رحمه الله، وفتحت المدينة في يوم السابع والعشرين من شهر رجب الكريم، الموافق لذكرى ليلة الإسراء والمعراج الجليلة، لتكون تذكرة وخيراً من الله تعالى لهذه الأمة المسلمة.

وصلى السلطان رحمه الله صلاة الجمعة الأولى بعد الفتح في مسجد قبة الصخرة المشرفة، وطهر الأقصى وأزال ما أحدثه الصليبيون بالجامع القبلي وقبة الصخرة وغيرها من الأماكن في الأقصى المبارك، وأعاد للمسجد روعته وبهاءه، بعد ما يقرب من مائة عام من الظلم والقهر والجبروت، ثم تم استقدام رمز النصر، منبر نور الدين زنكي الذي صنع في حلب، إلى المسجد الأقصى المبارك، فنصب فيه، وبقي إلى أن أحرقته يد (دينيس مايكل روهان) اليهودي المجرم في 21/8/1969م.

ومن الآثار الجليلة الباقية لتلك الفترة الذهبية الكتابة الأثرية التأريخية لتجديد محراب الجامع القبلي وعمارة المسجد الأقصى المبارك والموجودة إلى اليوم فوق محراب الجامع القبلي بالفسيفساء المذهبة وهذا نصها:

(بسم الله الرحم الرحيم، أمر بتجديد هذا المحراب المقدس، وعمارة المسجد الأقصى الذي هو على التقوى مؤسس، عبدالله ووليه يوسف بن أيوب أبو المظفر الملك الناصر صلاح الدنيا والدين، عندما فتحه الله على يديه في شهور سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وهو يسأل الله إيزاعَه شكرَ هذه النعمة، وإجزال حظه من المغفرة والرحمة)

وما إن أتم السلطان رحمه الله فتح المسجد والمدينة المقدسة، حتى بدأ بإجلاء الصليبيين من الأرض المقدسة كلها، إلا أن أوروبا سرعان ما أمدت جنودها المهزومين في فلسطين بالجيش والأساطيل، وتتابعت حروب السلطان، إلى أن انتهت بتوقيع (صلح الرملة) الذي وقعه مع ملك الإنجليز، وما لبث السلطان أن توفي رحمه الله تعالى في دمشق بعد أن أتم أمانته، ودفن في تلك المدينة الجليلة كما دفن من قبله الملك العادل نور الدين، وقبره معروف إلى اليوم، وقريب من المسجد الأموي.

إلى هنا نتوقف في هذه المحاضرة التي خصصناها لتحرير الأقصى المبارك، وهو المراد والأمنية الغالية، حيث أننا نريد استخلاص العبر من هذه المواقف،والتاريخ مختبر القرآن، وهو يعيد نفسه الآن بنفس الأحداث والأسماء متغيرة.

لذلك نرجو دراسة الأمر مرات ومرات، واستخلاص النتائج، وخطة السلاطين الثلاثة الكرام رحمهم الله تعالى، لتحرير بيت الله المقدَّس.

ونتابع في المحاضرة القادمة بإذن الله تعالى المادة الأثرية للدولة الأيوبية والمملوكية وغيرها بإذن الله رب العالمين، ونسأل الله تعالى أن يمن علينا ويجعلنا قادة الفتح العظيم الجليل القادم بإذنه سبحانه.... اللهم آمين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق