السبت، 26 ديسمبر 2009

دورة عن المسجد الاقصي المبارك ... الاسبوع السابع

مقدمة:

تحدثنا في المادة السابقة عن نهاية الاحتلال الصليبي للمدينة المقدسة وتحرير السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي رحمه الله لها بعد جهود مضنية من الملك الشهيد عماد الدين زنكي والملك العادل نور الدين زنكي رحمهم الله جميعاً.

ونمر اليوم على تاريخ القدس الشريف منذ تلك الفترة العظيمة، لنمر بالفترة الذهبية للمدينة المقدسة أيام المماليك ومن بعدها الفترة العثمانية لنصل إلى عصر الانحطاط والانحدار الذي أدى إلى وقوع القدس الشريف تحت الاحتلال مرة أخرى، أولاً على يد صليبيي الأمس، البريطانيين، والثانية على يد أخس خلق الله تعالى.... اليهود..!!

العصر الأيوبي فيما بعد السلطان الناصر صلاح الدين:

بعد وفاة السلطان الناصر صلاح الدين دب الخلاف بين قادته على تولي أمور السلطنة كما حصل بعد وفاة الملك العادل نور الدين، وكان لذلك الأمر أكبر الأثر على تردي الأوضاع عموماً، وخاصة فيما يتعلق بمدينة القدس، وذلك على يد (الملك الكامل محمد بن الملك العادل سيف الدين بن أبي بكر بن أيوب) الذي أعاد القدس إلى الصليبيين..!!!

وكان ذلك حين احتل الصليبيون دمياط، فأخرجهم هذا الرجل منها، ولكنه عاد واستنجد بالملك فريدريك الثاني ملك الألمان على خصومه السياسيين (وهما شقيقاه)، وعرض عليهم احتلال عكا مقابل أن يسلمهم القدس الشريف، وتم ذلك بموجب معاهدة عرفت باسم (معاهدة يافا) يستلم الصليبيون بموجبها القدس ولا يعمرونها، على أن يبقى المسجد الأقصى بيد المسلمين، ولا يعمرها الصليبيون ولا يغيرون سورها، ومدة المعاهدة عشر سنوات..!! وهو ما كان، حيث دخل الصليبيون القدس مرة أخرى وتوج الملك فريدريك ملكاً على القدس...!!!! وراع هذا الفعل الشنيع المسلمين ووقع عليهم كالصاعقة، وكان ذلك عام 626 هـ، وبقي الأمر كذلك في خلافات ونزاعات مرة حتى ما بعد وفاة هذا الرجل، حيث قام الملك الناصر داود ابن الملك المعظم عيسى صاحب الأردن والكرك بطرد الصليبيين منها عام 637 هـ وذلك بعد انتهاء فترة معاهدة (يافا) ونقضهم لشروطها التي تنص على عدم تجديد وتحصين سور المدينة، فاستبشر المسلمون وهللوا لهذا العمل الجليل، ولكنه ما لبث أن تحالف مع عمه الملك (الصالح إسماعيل) ضد (الملك الصالح نجم الدين) واستنجدا بالصليبيين على الملك الصالح نجم الدين، وبموجب ذلك تم تسليم المدينة للصليبيين مرة أخرى عام 638هـ، مما أدى إلى ثورة عارمة في البلدان الإسلامية ضد هذا العمل الشنبع..!! وكان عاقبة هذا الرجل أن تشرد في آخر عمره ومات متشرداً وضائعاً.

وبقي الأمر كذلك إلى عام 643هـ، حيث قام الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محمد بن أبي بكر الملك العادل ابن أيوب أبو الفتوح نجم الدين, الملقب بالملك الصالح نجم الدين أيوب، سلطان مصر، واستعان بأهل مصر وألف جيشاً من المماليك ومن أهالي المنطقة والشام وسار إلى الشام ففتح بيت المقدس في ذلك العام وطرد منها الصليبيين واسترد القدس نهائياً لحوزة المسلمين بعد أن كانت الخلافات قد ضيعتها مرة أخرى بعد فتح السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى. وبهذا بقيت القدس منذ ذلك التاريخ بيد المسلمين حتى ضاعت وسقطت تحت الاحتلال اليهودي الغاشم.

وقد ذكر المؤرخون هذا الفتح الثاني وتناولوه بالكثير من التقدير والإعجاب حتى سماه المؤرخ مجير الدين الحنبلي الفتح (النجمي) نسبة للملك الصالح نجم الدين أيوب، بعد الفتح (الصلاحي) للسلطان صلاح الدين الأيوبي.

والملك الصالح نجم الدين أيوب هو زوج الملكة المعروفة (شجرة الدر)، وقصة وفاته معروفة خلال وقعة (المنصورة) الشهيرة في مصر، والتي كانت من أقسى الهزائم التي حلت بالصليبيين في الشام. وبوفاة الملك الصالح نجم الدين أيوب تولى ابنه (تورانشاه) الحكم لفترة بسيطة، حيث قتل، وبوفاته عام 648هـ انتهى عصر الدولة الأيوبية، لتقوم من بعدها الدولة المملوكية التي حكمت في فترة تعد أكثر الفترات تميزاً في تاريخ القدس بعد الإسلام.

ومن أهم الآثار الأيوبية في المسجد الأقصى المبارك والتي لا تزال باقية إلى أيامنا الحالية:

1. القبة النحوية: التي أقامها الملك المعظم عيسى في ساحة قبة الصخرة المشرفة، وذلك لتكون مكاناً لتدريس علم النحو في اللغة العربية.

2. الرواق العرضي في مقدمة الجامع القبلي، وهذا الرواق هو الذي ما زلنا نراه إلى أيامنا الحاضرة يزين مدخل الجامع القبلي، وقد بناه الملك المعظم عيسى رحمه الله.

3. المطهرة، أي مكان الوضوء، وباب المطهرة يؤدي إليها، وهي خارج المسجد الأقصى المبارك، ولكنها أيضاً مفصولة عن مدينة القدس، فهي مرتبطة مباشرة بالمسجد الأقصى المبارك، بناها الملك المعظم عيسى.

4. إغلاق بعض البوابات في أيام السلطان الناصر صلاح الدين، وهي باب الرحمة، والباب المفرد والمزدوج والثلاثي.

5. تجديد قبة المعراج، التي تعد بشكلها الحالي أيوبية البناء، وهي قديمة، إلا أنها تم ترميمها وإعادة بنائها في الفترة الأيوبية بشكلها الحالي.

- كما أن هناك الكثير من الآثار التي لا يتسع المقام لذكرها في المسجد الأقصى المبارك مثل بعض بوابات المسجد الأقصى المبارك وغيره من الآثار الجليلة.

العصر المملوكي:

يعد العصر المملوكي بحق العصر الذهبي لمدينة القدس الشريف، فقد ازدهرت المدينة المقدسة فيها ازدهاراً قل نظيره، وازداد سكانها، كما ازدهرت الحركة العلمية فيها ازدهاراً كبيراً، وانتشرت المدارس والقباب والمساطب التعليمية في كل مكان، وساد الرخاء في المدينة بشكل عام.

المماليك قوم أحبوا القدس الشريف وأعطوها من وقتهم وجهدهم الكثير، والمدينة التي نراها في أيامنا الحالية معظمها تعود للعصور المملوكي. كما أن الفنون المملوكية في الزخرفة والبناء كانت من أجمل ما مر على المدينة المقدسة أيضاً.

يمتد العصر المملوكي في القدس الشريف منذ عام 648 – 922هـ، أي حوالي 270 عاماً ازدهرت فيها الحركة الثقافية والعمرانية في المدينة المقدسة، ومن أفضل من تكلم وكتب عن هذه المرحلة مجير الدين الحنبلي رحمه الله، وذلك في كتابه المتميز: (الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل) وقد عاصر المؤلف الحكم المملوكي في أزهى أوقاته، ووصف القدس في ذلك الزمان بدقة، كما أنه وصف أحداث ذلك العصر سنة بسنة حتى سنة 900هـ أيام الملك الأشرف قايتباي.

وإذا ذكرنا القدس والمماليك فإننا لابد أن نذكر أهم إنجازاتهم في القدس الشريف، فمن أفضل وأحسن إنجازاتهم في المسجد الأقصى المبارك:

- ترميم السلطان محمد بن قلاوون الصالحي رحمه الله للجامع القبلي وقبة الصخرة المشرفة، حيث أضاف إليهما الكثير من الزخارف المملوكية الراقية، ومن أهم تلك الآثار والزخارف الزخارف الجميلة المضافة إلى قبة الصخرة من الداخل، مع الكتابة التأريخية للسلطان صلاح الدين والسلطان محمد بن قلاوون، وأيضاً الزخارف الجميلة داخل قبة الجامع القبلي لنفس السلطان محمد بن قلاوون.

- إضافات السلطان الملك الأشرف قايتباي للمسجد الأقصى المبارك، ومن أهم آثاره في المسجد بناء المدرسة الأشرفية وسبيل قايتباي، وقد وصفت المدرسة الأشرفية بأوصاف عديدة، حتى عدها الكثير من المؤرخين الجوهرة الثالثة في المسجد الأقصى المبارك بعد قبة الصخرة المشرفة والجامع القبلي.

- الأوقاف الكثيرة التي أوقفها سلاطين وحكام المماليك على المسجد الأقصى المبارك، ومنهم مثلاً الأشرف برسباي الذي أوقف قريتي: (العوجا) و(النويعمة) في غور الأردن قرب أريحا على قبة الصخرة المشرفة، وما تزال لوحة الوقف منحوتة قرب الباب الشرقي لقبة الصخرة المشرفة، كما اشتهر المماليك بكثرة مدافنهم في القدس، ومنها مثلاً قبر الست تركان خاتون، وبناء سرايا الست طنشق المظفرية، التي دفنت قربها، وهي الآن مدرسة تسمى (مدرسة دار الأيتام) في القدس الشريف.

وننقل هنا ما ذكره الشيخ ناجح بكيرات في تصنيف أهم أعمال وترميمات المماليك في الأقصى المبارك، فيقول: (( فهذا الملك المنصور سيف الدين قلاوون يستبدل جزءاً من سقف المسجد ، ويجري ابنه الملك الناصر ، محمد بن قلاوون ترميمات واضحة في زخرفة القبّـة ويزين الجدران بالرخام ، وذلك في سنة 728 هـ ـ 1327 م ، وقد خلّو ذلك في نقش دائري موجود في ا لقبّـة من الدّاخل جاء فيه

" بسم الله الرحمن الرحيم ، جدّدت هذه القّـة المباركة في أيّام مولانا السلطان الملك الناصر العادل المجاهد المرابط المثاغر المؤيّد المنصور ، قاهر الخوارج والمتمردين محي العدل في العالمين ، سلطان الإسلام والمسلمين ، ناصر الدنيا والدين ، محمد بن السلطان الشهيد الملك المنصور قلاوون الصالح تغمّده الله برحمته في شهور سنة ثمان وعشرين وسبعمائة"

ثمّ يتسلّم الراية الملك الكامل سيف الدين شعبان، ثمّ الملك الناصر، ناصر الدين حسن، ثمّ الملك الأشرف سيف الدين إينال، وهذا السلطان هو الذي قام بوضع المصحف الشريف الضخم في المسجد الأقصى، وقام بترتيب القراءة، ورتّب لذلك قارئاً وأوقف عليه أوقافاً.

وإنّنـا لنجد هؤلاء الأبطال قد رمّمـوا معظم نواحي المسجد فقد قاموا بإصلاح أقواس الرواق الشمالي وجدّدوا الشّرفات العلويّة وأصلحوا القبّـة من الدّاخل والخارج، وكسوا سطح المسجد والقبّـة بالرّصاص وفي نهاية عصرهم قام الأشرف قانصوة الغوري 906ـ 922 هـ (1501ـ 1516 م ) بأعمال إصلاحيّة كثيرة حيث أحكم تصفيح سطح المسجد وقبته بالرصاص و بيّض الجدران ،ودهنت الأبواب ،ورممت الأعمدة والواجهات ،واعتقد أنّ المسجد الحالي هو نفس المسجد الذي تركه لنا المماليك وخير شاهد على ذلك المؤرخ مجير الدين العليمي (1496م) فقد كان المسجد في زمانه يشبه إلى حد كبير المسجد الحالي)) انتهى كلام الأستاذ الشيخ ناجح بكيرات.

وللمماليك أيضاً في الأقصى المبارك إلى الآن العديد من الآثار نذكر منها:

1- باب القطانين (وهناك بعض الأبواب الأخرى، ولكن هذا الباب هو أجملها وأتقنها بناءً، بناه بشكله الحالي السلطان محمد بن قلاوون).

2- سبيل قايتباي، وهو أجمل سبل المسجد الأقصى المبارك على الإطلاق، أمر ببنائه بشكله الحالي السلطان الملك الأشرف قايتباي، وتم تجديده في العصر العثماني ولكنه بقي بنفس شكله الأصلي إلى هذا اليوم.

3- الرواق الغربي للمسجد الأقصى المبارك، بني بشكله الحالي على أيدي عدة ملوك من المماليك.

4- المدارس التي انتشرت بغزارة في محيط المسجد والمدينة المقدسة وما تزال إلى اليوم.

5- وهناك الكثير غيرها من الآثار التي لا يتسع المجال لذكرها.

وهكذا فإننا نرى الحركة العمرانية توسعت بشكل كبير في أيام المماليك في القدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك، وبقيت كذلك إلى فترة الضعف التي بدأت تعتري الدولة المملوكية بعد وفاة السلطان الملك الأشرف قايتباي، حتى عام 922هـ، عندما سلمت القدس قيادتها للسلطان سليم العثماني مع أخواتها من مدن الشام، وبالتالي بدأ عصر جديد في المدينة المقدسة هو العصر العثماني.

العصر العثماني:

بدأ العصر العثماني في القدس قبل أن تنقرض الدولة المملوكية، فالقدس كانت من المدن الأولى في الشام التي حكمها العثمانيون عند وصولهم إلى المنطقة.

وتميز العصر العثماني باستمرار حركة البناء النشيطة في القدس الشريف، كما تميز بظهور أنواع من التطور الاجتماعي والفني العثماني وانتشارها بكثرة في المدينة، مثل الانتشار الكبير للتكايا في المدينة على سبيل المثال ومن أشهرها: تكية (خاصكي سلطان) التي أوقفتها (روكسيلانة) زوجة السلطان سليمان رحمه الله للفقراء، كما انتشر الطراز العثماني في البناء في القدس وخاصة في مجال بناء المساجد.

ومن أشهر الأحداث والسلاطين في العصر العثماني:

1- السـّلطان سـليمان القانوني ( 969 هـ / 1561 م ) الذي رمّم معظم المسجد وخاصّة الجهة الجنوبيّة منه، كما قام السلطان رحمه الله بتجديد بناء سور المدينة المقدسة وهو السور الذي ما زال ظاهراً إلى الآن، كما قام رحمه الله بإزالة الفسيفساء من الجدار الخارجي لقبة الصخرة المشرفة واستبدل بها البلاط القاشاني الأزرق الذي لازلنا نراه إلى اليوم.

2- وبعد ذلك أكمل العمل السّلطان محمود الثّاني 1223هـ / 1817م والسّلطان عبد المجيد وعبد العزيز رحمهم الله.

3- ثمّ جـاء في نهاية الدولة العثمانية الدّور الجليل المعروف للسّلطان عبد الحميد الثّاني 1293ـ 1876م والذي رفض (كما يعرف الجميع) تسليم المدينة والأرض المقدسة لليهود أو السماح لليهود بالاستيطان في فلسطين، كما أن من آثاره الجليلة في الأقصى المبارك ما عمله في قبة الصخرة المشرفة، حيث ذكر أنه كان أوّل مـن أعلن عن مسابقة خطيّة في الخط العربي فدعا الخطاطين للاشتراك في تقديم نماذج من خطوطهم ، واختار منهم اثنين هما: (محمد شفيق)، وهذا الخطّاط هو الذي كتب سورة (يس)، قلب القرآن الكريم، حول قبة الصخرة المشرفة بالخطّ الثلث، كما اختار (عبد الله الزهري) الذي قام بكتابة السورة نفسها في المسـجد الحرام والمسـجد النبوي.

ومن أهم الآثار العثمانية في المسجد الأقصى المبارك:

1- القباب العثمانية، ومنها قبة الخضر وقبة النبي والأرواح وغيرها.

2- مئذنة باب الأسباط الأسطوانية المستديرة.

3- الخلاوي العثمانية التي تنتشر في ساحة الصخرة المشرفة، والخلاوي جمع (خلوة) وهي أماكن كانت تبنى خصوصاً لبعض العلماء والزهاد لينقطعوا فيها ويختلوا بأنفسهم للعبادة والدراسة والتفكر.

4- كما يوجد في المسجد العديد من الآثار العثمانية الأخرى التي لا يتسع المقام لها ضمن هذه الدورة المبسطة.

وبقي الأمر في القدس الشريف كما هو حتى بداية الانحدار في الدولة العثمانية، الأمر الذي أثر سلباً بالطبع على الحركة العلمية في القدس الشريف كما أثر على باقي أنحاء الدولة.

الاحتلال البريطاني ودور المجلس الإسلامي الأعلى:

وهكذا شاء الله تعالى لهذه المدينة المقدسة أن تقع في الظلام مرة أخرى على يد البريطانيين، الذين دخلوا المدينة المقدسة محتلين عام 1917م، وذلك بقيادة الجنرال (ألنبي) الذي من العجيب ما ذكر عنه عند دخول المدينة المقدسة محتلاً غازياً، ومذكراً بالهدف الأساسي لحربه.. فقد قال مقولته الشهيرة: (الآن انتهت الحروب الصليبية).

إلا أن نور الخير الباقي في هذه الأمة لا يزال يضيء ولو في أشد حلكات الظلام، ففي هذا العصر (عصر الاحتلال البريطاني) قام في القدس (المجلس الإسلامي الأعلى) بقيادة الحاج (أمين الحسيني) رحمه الله تعالى، ومن أروع أعمال المجلس الإسلامي الأعلى التي ذكرها الكثير من المؤرخون بماء من ذهب (وننقل هنا عن الأستاذ ناجح بكيرات في "دموع على أعمدة الأقصى"): ((أنّه (أي المجلس الإسلامي الأعلى) حينما رأى الخراب في المسجد بحيث أنّ الأعمدة انحرفت عن موقعها الأصلي ، حتّى أنّ القبّة التي هي أنفس شئ في المسجد لم يعد إصلاحها سهلاً ، وفوراً طلب من الأستاذ الشّهير المرحوم كمال الدّين بك أن يتولّى عمارة المسجد الأقصى، فلبّى الطّلب وقدم من الأستانة في عام 1923، وقام الأستاذ كمال بتأليف لجنة من المهندسين ووضعت التصميمات الدّقيقة لترميم الأقصى وتدعيم القبّة التي أصابها التلف بشكل واضح، وتجديد نوافذ الجبس الملوّنة، وقد جمع لهذا العمل 94952 جنيهاً 141ملّيماً من أنحاء العالم العربي والإسلامي، وقد نجح المجلس الإسلامي بتنفيذ مشروعه الضّخم، وبينما كان المجلس جادّاً في تنفيذ برنامجه بالعمارة والإصلاح والتجديد وإذ بالدّموع ثانية تصيب فلسطين والأقصى فكان زلزال عام 1927وذلك بعد إنجاز العمل بقليل، حيث قدّر الخبيرون وأهل الفنّ بأنّ الزلزال لو سبق عمارته لانهار جميعه وأصبح الأقصى أثراً بعد عين لا سمح الله، وما هي الاّ سنوات عجاف واضطراب وزلازل أخرى ضربت المنطقة فتصدّع المسجد وبدأ المجلس بأصلاحه سنة 1938 وانتهى سنة 1943م.

وبعد هذه الفترة يقوم المجلس الإسلامي الأعلى بالقدس الشريف بتعميرات بدأت منذ عام 1938 وانتهت 1943م، وقد كتب عن هذه الفترة العديد من التّقارير والكتب، وكان من أشهر الذين أرّخوا لهذه الفترة الأسـتاذ عارف العارف حيث ذكر في كتابه قوله " وتلخصت أعمال الترميم بهذا الرّواق الشّرقي وإعادة بنائه من جديد")) انتهى كلام الأستاذ الشيخ ناجح.

الحكم والترميم الأردني:

وهنا بدأت بوادر احتلال جديد وغزو آخر من نوع مختلف..!! غزو كغزو الجراد الذي يدمر التاريخ والحضارة، هو غزو أخس خلق الله على الإطلاق، اليهود، الذين مهد لهم البريطانيون أفضل وأحسن تمهيد لاحتلال المدينة المقدسة، حتى سلموهم البلاد والعباد عام 1948م، وانتهى فيها الاحتلال إلى أسوار القدس الشريف، التي شاء الله أن يقيض لها رجالاً يذكرهم التاريخ بعزة وشموخ، ومنهم القائد (عبدالله التل) رحمه الله، الذي استسلمت على يديه الحامية اليهودية التي كانت في البلدة القديمة للقدس، والتي انهزمت شر هزيمة على يديه رحمه الله برغم قلة الموارد والإمكانيات، ووقع قائدها موشيه روزنك اتفاق استسلام مع القائد عبدالله التل كان هذا نصه:

الفريق الأول: وكيل القائد عبد الله التل.

الفريق الثاني: قائد الهاجناه في القدس القديمة موشيه روزنك.

بناء على الطلب المقدم من يهود القدس القديمة للاستسلام قدم الفريق الأول الشروط فقبلها الفريق الثاني وهي:

1- إلقاء السلاح وتسليمه للفريق الأول.

2- أخذ جميع المحاربين من الرجال أسرى حرب.

3- السماح للشيوخ من الرجال والنساء والأطفال ومن كانت جراحهم خطيرة، بالخروج إلى الأحياء اليهودية في القدس الجديدة بواسطة الصليب الأحمر.

4- يتعهد الفريق الأول بحماية أرواح جميع اليهود المستسلمين.

5- يحتل الجيش العربي الأحياء اليهودية في القدس القديمة.

28/5/1948م

الفريق الأول: عبد الله التل

الفريق الثاني: موشيه روزنك

وبذلك تم تسليم القسم الشرقي من القدس بعد سقوط القسم الغربي (عقب استشهاد القائد عبد القادر الحسيني رحمه الله) للجنود الأردنيين، وتم ضم المدينة المقدسة إلى شرق الأردن ليبدأ فيها الحكم الأردني الذي استمر منذ عام 1948م – 1967م، أي لمدة 19 سنة أوقف الله اليهود خلالها على أسوار المدينة المقدسة، وكان هناك عدة ترميمات هاشمية في المسجد الأقصى المبارك خلال تلك الفترة، وهو ما حمى المسجد الأقصى المبارك بعد ذلك – بحمد الله – من الكثير من الأخطار وبخاصة أخطار الحفريات من أن تهدده طوال الفترة الماضية والحمد لله رب العالمين.

الاحتلال اليهودي الغاشم:

في وقت اشتدت فيه الخطوب والمحن.. ضاعت من الأمة ذاكرتها في لحظة من الزمان.. فضاعت القدس.. وأذن الله بأن تبدأ الأمة امتحاناً شديداً لاسترداد البيت المقدس مرة أخرى كما كان الامتحان الأول أيام الصليبيين، ولكنه هذه المرة أشد وأقسى وأصعب، فالمرارة كبيرة والذل صعب، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

دخل اليهود المدينة المقدسة يوم 7/6/1967م، وكانوا بزعامة قائدهم موشيه دايان وزير الدفاع الإسرائيلي يومها، وأحد كبار قادته: إسحق رابين، وعندما دخل اليهود منطقة المسجد الأقصى المبارك كانوا يتصايحون: (جبل المعبد بأيدينا) ومما نقل عنهم في الإذاعة العبرية أن بعضهم قام ونفخ في المزمار اليهودي في المسجد الأقصى المبارك إيذاناً بـ(عودة) اليهود إلى القدس، وإيذاناً باحتلال المدينة المقدسة والبقعة الأغلى، بل إنهم قاموا برفع علمهم فوق قبة الصخرة المشرفة، وبقي الأقصى مغلقاً لهؤلاء أياماً، حتى قامت قوات الاحتلال اليهودي بتسليم المسجد إلى الأوقاف الإسلامية الأردنية مرة أخرى خوفاً من ردة الفعل الإسلامية، وعملاً بنصيحة الحاخام: ( زيرح فارحارتك ) وزير الأديان الإسرائيلي آنذاك لأسباب تتعلق بالعقيدة اليهودية.

وخلال فترة الاحتلال اليهودي الغادر للمدينة المقدسة تعرض المسجد الأقصى المبارك لأبشع أشكال الإهانة والعذاب والاعتداءات، لعل أبشعها كانت المجازر الثلاثة التي ارتكبها اليهود على أرضه الطاهرة، ففي مجزرة الأقصى الأولى بتاريخ 8/10/1990م سقط 17 شهيداً في أروقة المسجد، وخلال المجزرة الثانية التي تسمى معركة النفق بتاريخ 24/9/1996م سقط في الأقصى المبارك 3 شهداء، وارتفع العدد خلال مجزرة الأقصى الثالثة بتاريخ 29/9/2000م ليسقط 5 شهداء على الأرض الطاهرة المقدسة.

ولا تعد هذه المجازر هي الوحيدة في أرض الأقصى المبارك، فقد هاجم اليهود المسجد واعتدوا على المصلين أكثر من مرة مثل اعتداء (ألان جودمان) على قبة الصخرة المشرفة، والذي خلف شهيدين أحدهما من حراس المسجد الأقصى المبارك، وكان ذلك يوم 11/4/1982م، واكتشفت مئات المحاولات لتدمير المسجد وتدنيسه.

ولعل أحد أهم الأحداث المؤلمة التي مرت على المسجد الأقصى المبارك جريمة الحريق المشؤوم يوم 21/8/1969م والتي ارتكبها اليهودي الأسترالي (دينيس مايكل روهان)، والتي أتت على رمز النصر والعزة الإسلامية، منبر نور الدين محمود زنكي رحمه الله تعالى.

ولا يتوقف الأمر عند الحفريات التي تجريها سلطات الاحتلال الباغية في محيط وتحت أسوار المسجد الأقصى المبارك بالكامل، فالحفريات لا تقع (كما يتخيل البعض) تحت الجامع القبلي فقط، بل إنها تمتد في مكان تحت كال مساحة المسجد الأقصى المبارك وتحت كامل أسواره الجليلة في محاولة لمسح معالمه بالكامل عن وجه الأرض إن استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

الترميمات في عصر الاحتلال اليهودي:

استمرت الترميمات – رغم صعوبتها الشديدة – في المسجد الأقصى المبارك رغم الأحداث المتعاقبة والاعتداءات المتوالية من الظالمين على المنطقة المقدسة، وكانت هذه الترميمات والتصليحات والتطويرات تتم على يد أبناء مدينة القدس الشريف وبعض الجمعيات واللجان الخيرية تارة، وبيد بعض الحكومات العربية والإسلامية تارة أخرى.

ومن أهم التطورات التي طرأت على المسجد الأقصى المبارك من حيث الترميم:

- ترميم المسجد الأقصى المبارك من آثار الدمار وترميم الجامع القبلي من آثار الحريق الآثم عام 1969م، وكان ذلك على يد الأوقاف والحكومة الأردنية.

- ترميم قبة الصخرة المشرفة وتغيير كسوتها المذهبة وفرشها بالسجاد الفاخر على يد الملك الراحل الحسين بن طلال ملك المملكة الأردنية الهاشمية، وتم ذلك عام 1995م.

- ترميم المصلى المرواني وافتتاحه للصلاة رسمياً لأول مرة في التاريخ، وذلك على يد كل من مؤسسة الأقصى في مدينة أم الفحم (وتسمى أيضاً أم النور) في داخل الخط الأخضر، ولجنة التراث الإسلامي في القدس، ودائرة الأوقاف الإسلامية الأردنية في القدس الشريف، وتم ذلك عام 1996م، ثم تبرعت حكومة مصر بفرش المصلى المرواني.

- ترميم وافتتاح الممر الأموي تحت الجامع القبلي، والذي يسمى (الأقصى القديم) عام 1999م على يد نفس الجهات التي ذكرناها سابقاً، وتم فرش هذا المكان على يد بعض المحسنين من تركيا.

- فرش الجامع القبلي وإصلاح أرضيته بالتعاون بين نفس الجهات الثلاثة، وكان ذلك عام 2000م وتم على نفقة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي أمير الشارقة.

- افتتاح البوابات المروانية العملاقة التي كانت مطمورة تحت الأرض في المنطقة الجنوبية الشرقية من المسجد الأقصى المبارك، وعمل ساحة حديثة جميلة البناء سميت (الساحة الشرقية) وذلك على يد نفس الجهات، وتمت إضاءة المكان على نفقة دولة الإمارات العربية المتحدة ممثلة بهيئة الهلال الأحمر.

وهكذا نرى أن أهم الترميمات والتصليحات في المسجد الأقصى المبارك لا تتم إلا بتضافر جهود المسلمين واجتماع كلمتهم، وفي ذلك عبرة وآية على الطريق.. لعل المؤمنين يجمعون كلمتهم ويقومون للمهمة العظمى والغاية الأسمى، تحرير البيت المقدس.

إلى هنا نتوقف في دراسة تاريخ المدينة المقدسة، حيث يتوقف الأمر لدينا عند احتلال المدينة المقدسة على يد أخس خلق الله، بانتظار الجيل القادم بإذن الله تعالى لتحريرها من براثن الظالمين.

ولعلك تجد في هذه الأسطر اختصاراً قد تظنه كبيراً، وإنما تركنا الكثير من الأحداث والخطوب، لأجل الاختصار في المادة المبسطة لهذه الدورة، ولكي لا نخرج عن المادة العلمية التاريخية الخاصة، ولعل الأمر يحتاج إلى مجلدات لشرح ما حدث في الأقصى منذ تلك اللحظة إلى الآن، ولذلك فإننا نترك لك المجال لتبحث وتنقب عن أحداث الأقصى المبارك، ولعل الله تعالى ييسر التوسع في هذا الأمر بإذنه تعالى في مجال آخر، ونتوقف هنا لننتقل إلى القسم الأخير من دورة علوم المسجد الأقصى المبارك، وهو (الأقصى عند غير المسلمين) في المادة القادمة بإذن الله سبحانه.

عبدالله معروف

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق