السبت، 30 يناير 2010

حصار غزة.. خمس إضاءات من بحر الظلمات!!

أثار حصار غزة مضاجع كل عروبي مسلم غيور على دينه ووطنه السليب، وحُصرت الأنفس في حناجرها بذلك الحصار الغادر، كما لو أنها تتنسم الهواء من سم الخياط، وأطبقت على القلوب أقفاصها وكأنها في سجن مظلم كئيب، وأظلمت على النفوس جوانبها ولكأنها غارقة في بحر من الظلمات بعضها فوق بعض.

ومن بين تلك الظلمات التي تسوق النفس البشرية إلى حافة اليأس تتفجر ينابيع الأمل، ومن رحمها تخرج أنوار الصباح العلوية التي تبدد تلك الظلمات الأرضية التي أرادت "إسرائيل" أن تفرضها على سكان القطاع، فغرقت هي حتى أذنها في قاعها.

وهنا نتوقف عند مقتطفات من تلك الاضاءات التي خرجت من رحم الظلمات المفروضة على الأهل في قطاع غزة.

1ـ سراب السلام وأوهامه

فهذا الحصار وهذه الإجراءات الهمجية الصهيونية توحي بأن من يركض نحو السلام، يركض وراء سراب وأوهام، فما كان حصار غزة وتجويع أهلها ومنع الإمدادات عنها إلا وحرارة المصافحات والقبلات بين رام الله وتل أبيب لم تبرد بعد، والحديث عن دولة فلسطينية وليدة بنهاية العام ملئ الآذان عن آخرها، سواء من قبل الرئيس الأمريكي جورج بوش أو رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت وتبعهما رئيس رام الله محمود عباس(أبو مازن).

فقطار ما يسمى بالسلام الذي غادر محطته الأولى منذ ما يزيد عن خمسين عامًا ما زال يراوح مكانه، وما يزداد إلا وهنًا على وهن وضعه الذي بدأ به بعدما بدا تمامًا أن الخصم لا يبالي باتفاقيات ولا معاهدات رنانة من مدريد إلى أوسلو إلى أنابوليس وغيرهم الكثير.

وإزاء هذا الفشل الذي يعتري مسار الاستسلام تنتزع المقاومة والجهاد الفلسطيني الحقوق من فم العدو الإسرائيلي.. فما تركت "إسرائيل" غزة ولا الضفة إلا تحت وقع الضربات القاسية التي تلقتها من فصائل المقاومة، وعلى إثرها رأت الانفصال عنهما مغنمًا، ولم يكن لصرير الأقلام على وقع الأوراق التفاوضية نصيب في دفع "إسرائيل" إلى الجيتو مجددًا.

فهذه المحنة التي يمر بها القطاع من ثناياها ندرك أن كل اقتراب مع مشروع سلام مع "إسرائيل" هو في حقيقته شروع في الاستسلام والتفريط في ثوابت القضية، بينما يبقي مشروع الكفاح ضد الاحتلال هو الغرس الذي تمتد جذوره في قلب وضمير كل فلسطيني وعربي حر أبي عصي على الاستئصال والمؤامرات المدبرة ليل نهار وسيؤتي حصاده حتمًا بعد حين.

2ـ الإرهاب الإسرائيلي يحتضر

الآلة الإسرائيلية الغاشمة استعارت كل ما يمكنها من قسوة وحشدت كل أدواتها القمعية وتفكيرها التكتيكي والاستراتيجي لتركيع الشعب الفلسطيني على العموم وأهل غزة الباسلة على الخصوص وقد فشلت كل محاولاتها وتجاربها لنيل هدفها، ووقف شعب غزة مواقفه البطولية المعهودة والمشهودة حتى فجر الخلافات في الداخل الإسرائيلي عن الجدوى من تلك العمليات الإرهابية والإيغال في سفك الدماء الفلسطينية.

فهذه صحيفة هاآرتس (21/1) تعبر عن الفشل الذي يلحق بإستراتيجية "إسرائيل" في مواجهة حركة حماس وغيرها من الفصائل المجاهدة فتقول: إن القتل غير المجدي للفلسطينيين والذي يتفاخر به جهاز الحرب الإسرائيلي يحدث فقط لإرضاء الرأي العام، في حين أن الصراع والكفاح العنيد والطويل للحرية للفلسطينيين لا يمكن أن يدحر بالقوة، كما أن التطلع إلى عملية عسكرية كبيرة في غزة كما يتحدث عنه الجنرالات والمحللون المنادون بالقتال يبعث على الغضب.. هذه العملية بدأت منذ مدة من الزمن ..و قتلنا خلالها أكثر من 800 فلسطيني خلال عامين، ولشدة الفزع والأسف هناك من يتفاخر في ذلك.. فما الذي قمنا بحله من خلال ذلك؟ .. إن القتلى من مسلحين وغير مسلحين أدوا إلى زيادة التصعيد فقط، ومقابل كل كائن بارز في الجهاد ومقابل كل مطلق للقسام يستشهد يظهر على الفور سبعة آخرون.

فإسرائيل استخدمت كل آلات البطش مع الفصائل ومع الشعب واغتالت الزعماء السياسيين والمجاهدين وحاصرت القطاع وقطعت الإمدادات وكل ذلك لم يفلح مع ذلك الشعب المناضل، فماذا عساها أن تفعل بعد ذلك؟!

إن عنوان الفشل للمواجهة وللإستراتيجية الإسرائيلية قد تولد تلقائيًا من رحم هذا الظلم والظلام الذي فرضته على غزة ولم يفلح في إذلالها ولا خضوعها بل ينبعث وقودًا ونارًا يحرق أطراف الكيان ومستوطناته التي تئن وتستغيث من وقع القسام ولا مغيث لها.

3ـ حماس ومعركة البقاء

فمنذ أن تمكنت حركة حماس من الانفراد بإدارة الأوضاع في قطاع غزة في يونيو الماضي واستمرت الحرب عليها من قبل "إسرائيل" عسكريًا باستهداف كوادرها، بينما وقف العالم الغربي والسلطة في رام الله وبعض القوى الإقليمية موقف المؤيد للحصار المفروض على غزة بهدف إسقاط الحركة وتأليب الشارع الفلسطيني الداخلي عليها.

وجاءت تلك الظلمات الأخيرة كمحور ثالث يهدف لإقصاء الحركة عسكريًا وسياسيًا من خلال دفع أهل غزة لرفضها وتحميلها مسئولية ما يحدث.. وفشلت الإستراتيجية الثلاثية الأبعاد وبقيت حماس صلدة قوية في وجه الأعاصير الهوجاء بل وانتزعت من الجميع اعترافًا صريحًا تارة وضمنيًا مرة أخرى بأنه لا يمكن بحال تجاوزها في الحرب أو السلم وأنها الذراع الأقوى في الساحة عسكريًا وشعبيًا.

فهذه صحيفة الديلي تلجراف (24/1) التي علقت على الحصار والعمليات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة بقولها إنها لم تأت بأي نتيجة على الإطلاق، مؤكدة أن حماس كطرف في المعادلة، لم يعد من الممكن تجاهلها.

والجارديان (24/1) تشاركها ذات الرأي، حيث صرحت في حديثها عن الحصار الغاشم وقوة التماسك والالتفاف حول حماس بقولها: "إذا كان ثمة إمكانية تسوية، فستكون حماس لا فتح هي الطرف الفلسطيني في هذه التسوية".

وحقيقة لابد من الاعتراف بها أن قوة حماس ليست فقط نابعة من ذاتها بل من التفاف الشارع حولها كونها تعبر عن طموح شعب يهوى الحرية والكرامة ويرفض لقمة عيش ممزوجة بماء الذل، بل يستسيغ الموت عذبًا فراتًا، ويشتهيه إن كان ثمنًا لحريته واسترداد مقدساته.

فهذه المحنة والصمود الشعبي في مواجهتها والالتفاف المستمر حول حماس يؤكد أن الحركة هي نبض القلب لهذا الشارع والمعبر عن طموحاته وأحلامه وسبيله للوصول إلى هدفه ومبتغاة مهما علت أصوات المستسلمين.

4ـ الإرادة الشعبية الغالبة والمحركة

ففي الوقت الذي تخاذلت فيه المؤسسات الرسمية والجهات النافذة سياسيًا في العديد من الدول كانت الهبة الشعبية لكسر الحصار في كل الدول العربية والإسلامية بلا استثناء تعيد التذكير بمركز القوة في الأمة، وأن الشعوب العربية المسلمة لا تشغلها حياتها المعيشية وهجمات الغلاء المستعرة عن الوقوف إلى جانب الأشقاء الفلسطينيين في المحنة.

فهذه المحن والابتلاءات التي يتعرض لها شعب فلسطين أو العراق أو غيرهما هي في حقيقتها وقود يُشعل جذوة الكراهية في قلوب الشعوب المسلمة للظلم الواقع عليها، وينبت في نفوسها ونفوس أبنائها غيظ دفين ينتظر لحظة مواتية ينفث فيها ما تجرعه من مرارة على مر تلك السنوات العجاف.

فوحدة الأمة وتلاحم الإرادات الشعبية في مصر وموريتانيا والمغرب وتركيا والأردن وغيرها من بلد العرب والمسلمين ترد سهام التفتيت ومخططات التفرقة ومؤامرات غرس الفتن في نحر من قد أرسلها..فهي لا تعرف طريقها إلى الشعوب العربية المسلمة وإن تركت بعضًا من بصماتها على القيادات السياسية فانقلبت معولاً يهدم في هذا الصرح الشامخ الأبي على الانكسار أو الخضوع.

تلك الإرادة الشعبية المشتعلة والمتفجرة من بحر الظلمات المفروض على غزة إنما ترسل إشارات متتالية أن شباب الأمة بركان ثائر غاضب، وإن حالت الوضعيات السياسية والمجتمعية أن يفعل، فهو ما زال يملك الكلمة القوية والوقفة المعترضة.

5ـ وحدة المصير

إن تلك الحشود التي كانت في مقدمتها الحرائر الفلسطينيات وعبرت الحدود المصطنعة وكسرت الحواجز المتوهمة بين الأمة الواحدة تؤكد أن اللحمة بين العرب والمسلمين أقوى من ذلك الصنيع الزائف، وان جغرافيتها وتاريخها الذي تحفظه ذاكرتها جيدًا يصفع تاريخ "سيكس بيكو" ويركله إلى حيث مكانه اللائق به تاريخيًا.

إن جغرافية مستحدثة تستلهم الماضي في رؤيتها وتطلعاتها صنعتها تلك الأحداث لتؤكد أنه لا حدود بين العرب والمسلمين، في عالمنا العربي، وأن مصر والأردن هما عمق لفلسطين ومرجعية شعبها وقت العوز والحاجة، بقوة الارتباط وعمق العلاقات رغم أنف المعاهدات التي وقعت في غفلة من الزمن وعلى حين غفوة من الأمة.

ثم هو تاريخ واحد في سلسلة مترابطة لا تنفصم، فتاريخ الشعب الفلسطيني وما يقع على أرضه موصول بتاريخ مصر وغيرها من البلاد العربية ويترك حتًما بصماته عليها، ومن انزوى خلف أصبعه متواريًا ومحتجبًا عن مسئولياته التاريخية فإن في التاريخ صفحات لأمثال هؤلاء، كما هو يحمل في طياته صفحات من نور لمن استعلى بقامته وتحمل مسئوليته.

هي ظلمة نعم قد غشت غزة الأبية، ولكنها ظلمة فتحت سجلاً لتاريخ وجغرافية تحتاج الأمة أن تتذكرها وتلتفت إليها دومًا..فهو مسار عربي واحد ..ومصير عربي مشترك.

وفي الأخير نذكر أهلنا في غزة بقول الله جل في علاه: ( لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ ).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق