الخميس، 14 يناير 2010

أربعون عامًا مضت على إحراق الأقصى.. والقدس تعاني التهويد الممنهج

أربعون عامًا مضت على إحراق المسجد الأقصى المبارك على يد مغتصب أسترالي صهيوني حاقد يُدعى دينيس مايكل؛ ففي فجر الخميس الموافق الحادي والعشرين من أغسطس (آب) 1969م كانت الفاجعة وكانت الجرأة على المس بالمسجد الأقصى المبارك.

تحلُّ هذه الذكرى على قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.. تمر هذه الجريمة الصهيونية التي أدَّت إلى إلى سقوط السقف الشرقي للجامع القِبْلي، وهو المصلَّى الرئيسي للرجال، كما احترق منبر نور الدين زنكي الذي أعاد صلاح الدين الأيوبي بناءه بعد تحرير القدس من الصليبيين، وإن ذلك يتزامن مع مواصلة سلطات الاحتلال الصهيوني حفرياتها عند باب المغاربة، وهو ما يحذِّر الفلسطينيون من أنه يشكِّل تهديدًا لسلامة الأقصى المبارك.

المسجد.. هدف الصهاينة المتطرفين

تمر اليوم ذكرى إحراق المسجد الأقصى قبل 40 عامًا، في الوقت الذي لا يزال فيه المسجد هدفًا للمتطرفين اليهود الذين تدعمهم الحكومة الصهيونية، ومعها العديد من الأنظمة الرسمية، فاليهود يسعون إلى إقامة هيكل سليمان المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى بجهود ومحاولات لا تهدأ أبدًا.

استيقظ "سكان القدس فجر ذلك اليوم الأسود على الاحتلال.. استيقظوا على ألسنة النار والدخان تتصاعد من القبة، وسمعوا التكبير عبر مآذن المسجد وهرع الجميع إلى نجدته، لقد أتت النيران على منبر القائد صلاح الدين بأكمله وعلى أقدم جزء في المبنى ومحراب النبي زكريا والأقواس الخشبية.

ولم تتراجع سلطات الاحتلال عن المس بالمسجد المبارك ولا عن نيتها باستهدافه، فتقوم ما تسمى بسلطة الآثار الصهيونية بحملة للاستيلاء على أجزاء من المسجد الأقصى؛ حيث تدفع بقواتها باتجاه الحرم القدسي، مدعيةً أن الجزء الجنوبي من المصلى المرواني مهددٌ بالانهيار؛ وذلك لكي تمنع الفلسطينيين من الاستمرار في أعمال صيانة المصلى الذي يعتبر جزءًا من المسجد الأقصى.

تفصيل الحرم القدس الشريف

الحرم القدسي الشريف الذي تبلغ مساحته نحو 144 دونمًا ويضم عدة مصليات؛ أولها المسجد الأقصى المبارك ويقع في الواجهة الجنوبية من ساحة الحرم القدسي وجداره الجنوبي يطل على بلدة سلوان التاريخية وعلى وادي قدرون، أما جداره الغربي فهو المعروف بحائط البراق، ويضم المسجد الأقصى القديم ويقع أسفل المسجد الأقصى، وتم تجديده وفرشه ويتسع لآلاف المصلين، ويضم المصلى المرواني ويقع بمحاذاة الأقصى القديم إلى الشرق منه وهو مصلى قديم تم تجديده وفرشه وإضاءته وتهويته، ومساحته شاسعة تستوعب آلاف المصلين، ويضم مسجد قبة الصخرة المشرفة ويقع بمواجهة المسجد الأقصى إلى الشمال منه، ويُصعد إليه بدرجات تنتهي إلى ساحة فسيحة يقوم عليها هذا المسجد، وهو بناء هندسي مثمَّن، غاية في الروعة والجمال ودقة الزخرفة والعمران، وقبته معلم شهير من أجمل وأكبر قباب المساجد في العالم الإسلامي، ويقال إن المسجد بُني فوق الصخرة التي عرج منها الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى السماوات العلى بعد أن أُسري به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله.

وإلى جانب هذه المصليات تزخر ساحة الحرم القدسي الشريف بالعديد من المصليات الأخرى المكشوفة (المصاطب) والأروقة والقباب وسبل المياه العذبة والمدارس التاريخية والمحاريب والأبنية الأثرية القديمة، وفيها مساحات خضراء ومزروعة بأشجار الزيتون، وترتفع فوق أسوار الحرم المآذن الجميلة التاريخية.

ويطلق اسم المسجد الأقصى على مجمل المساحة التي يشغلها الحرم القدسي بمكوناته وساحاته وهذه التسمية هي المقصودة في الآية الكريمة: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، وأيضًا في الحديث الشريف: "لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ مسجدي هذا والمسجد الحرام ومسجد بيت المقدس".

وبُنِيَ المسجد الأقصى في نهاية القرن السابع الميلادي في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، واكتمل بناؤه في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك. وتعرض عبر التاريخ لمحن كثيرة بعضها طبيعي بفعل الزلازل وبعضها بفعل أطماع الغزاة كما فعل الصليبيون وكما يتعرض له حاليًّا وهو أسير تحت الاحتلال الصهيوني.

أما منبر صلاح الدين ففي الحادي والعشرين من أغسطس (آب) 1969 أقدم متشدد أسترالي يهودي اتهمته سلطات التحقيق الصهيونية بالمجنون على ارتكاب جريمة إحراق المسجد الأقصى؛ ما أسفر عن أضرار كبيرة لحقت به، وأفدحها كان إحراق منبر المسجد وهو الذي أمر ببنائه السلطان الأيوبي نور الدين زنكي وأحضره السلطان صلاح الدين الأيوبي عندما حرَّر القدس من أيدي الصليبيين، والمنبر المحترق كان تحفةً فنيةً نادرةً، وهو صنو لمنبر آخر صنع في نفس الوقت وهو الآن موجود في الجامع الأموي في دمشق.

حناجر الفلسطينيين تنادي بإنقاذ المسجد

وما زالت حناجر الفلسطينيين ودعاتهم وقياداتهم ومؤسساتهم تدعو إلى إنقاذ المسجد وحمايته من سياسة التهويد والحصار التي يتعرَّض لها، وحذَّر الفلسطينيون -وما زالوا- من سياسة فرض الأمر الواقع التي تفرضها سلطات الاحتلال بحق المسجد الأقصى ومدينة القدس، مشيرين إلى استمرار الحفريات واستحداث الأنفاق أسفله وفي محيطه.

فمن جهته حذَّر الدكتور أحمد أبو حلبية، رئيس لجنة القدس بالإنابة بالمجلس التشريعي الفلسطيني، ورئيس فرع "مؤسسة القدس الدولية" في قطاع غزة، من خطورة الأوضاع التي تمر بها مدينة القدس والمسجد الأقصى المبارك، منبِّهًا إلى أنَّ سلطات الاحتلال الصهيوني قطعت أشواطًا وخطوات متقدمة جدًّا في سياساتها التهويدية بحق المدينة المقدسة، وأنها باتت على أعتاب آخر مراحل تهويد القدس.

مقدمون على مرحلة خطيرة

وقال أبو حلبية في تصريح صحفي لـ"المركز الفلسطيني للإعلام": "نتخوَّف من أننا مقدمون على مرحلة خطيرة، فالكيان الصهيوني الآن في آخر مراحل تهويده لمدينة القدس، وآخر مرحلة ستكون هي العشرية القادمة التي تنتهي بحلول عام 2020م؛ حيث ستصبح مدينة القدس ضمن الهيكل الصهيوني الجديد الذي تم الإعلان عنه جغرافيًّا في مساحة 600 كيلو متر مربع، وهو ما يطلق عليه العدو الصهيوني القدس الكبرى"، وقال: "بمعنى آخر.. إننا نشهد مرحلة خطيرة جدًّا".

وشدَّد رئيس لجنة القدس بالإنابة بالمجلس التشريعي الفلسطيني على ضرورة إنقاذ المدينة المقدسة وأهلها بتقديم الدعم المادي المطلوب؛ لوقف سياسة التهجير والترحيل التي تنتهجها سلطات الاحتلال الصهيوني على قدم وساق، مشيرًا إلى أن القدس وأهلها بحاجة أكثر من نصف مليار سنويًّا دعمًا لصمود المقدسيين وتثبيتهم في أرضهم وديارهم.

ووصف القيادي البرلماني الفلسطيني د. أبو حلبية، الوضع النفسي لأهل القدس بالصعب والقاسي جدًّا، مشيدًا في الوقت ذاته بمدى "الصمود والصبر والثبات الذي يضربون به أروع الأمثلة"، داعيًا إلى حراك عربي وإسلامي جديٍّ، وتفعيل قضية القدس والمسجد الأقصى على كل المستويات الرسمية والشعبية والأهلية.

الذكرى تتزامن مع سياسة تفريغ القدس

ويشير الدعاة وقادة الرأي الفلسطينيون إلى أن ذكرى حريق المسجد الأقصى تتزامن مع سياسة سلطات الاحتلال التي تسعى وتعمل على تفريغ المدينة المقدسة من محتواها الإسلامي والعربي والفلسطيني، وذلك بالاعتداء على المؤسسات ورموز الشعب الفلسطيني.

وأكدوا أن سياسة الاحتلال تستهدف فرض سياسة الأمر الواقع في المسجد الأقصى المبارك، وذلك على غرار ما حدث في الحرم الإبراهيمي الشريف الذي جرى تقسيمه عنوةً، مضيفين أن سلطات الاحتلال ما زالت تقوم بالحفريات وكذلك بحفر الأنفاق وتغيير المعالم الإسلامية الدينية التاريخية في القدس وفلسطين وتغييرها بأخرى يهودية.

وطالب الدعاة الفلسطينيون الزعماءَ العرب والمسلمين والمؤسسات والمنظمات الدولية بعدم الوقوف موقف المتفرج من مسلسل التهويد للمدينة المقدسة والمساس بالمسجد الأقصى المبارك، مناشدين في الوقت ذاته الفلسطينيين بإعمار المسجد وشد الرحال إليه.

صلاح يناشد إنقاذ الأقصى

من جهته طالب الشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني بإنشاء صندوق إسلامي عربي عالمي لإنقاذ المسجد الأقصى المبارك ومدينة القدس، موضحًا أن الاحتلال يسعى جاهدًا إلى تهويد مدينة القدس وتقسيم المسجد الأقصى المبارك بين المسلمين واليهود، وأكد أن "المسجد الأقصى اليوم هو بأخطر مرحلة في تاريخه، وهي أخطر من الحروب الصليبية والتتارية".

وأوصت العديد من المؤتمرات التي أقامتها مراكز الأبحاث الفلسطينية بضرورة تجنيد المحامين والمهندسين للنظر في قضايا البناء والسكن في القدس، وضرورة تكليف وزير للقدس في كل حكومة فلسطينية، وضرورة وحدة العمل في القدس بين الفصائل الفلسطينية ولو بالحد الأدنى لإنقاذ القدس من خطر التهويد الممنهج الذي تتعرض له.

كما أكدت هذه المؤتمرات تطوير الآليات الإحصائية في القدس من قبل دائرة الإحصاء الفلسطينية، وإنشاء مركز دراسات إستراتيجي لشؤون القدس والمسجد الأقصى، وضرورة إيجاد أبحاث علمية جادة حول القدس والأقصى.

وقد دعت مؤسسة الأقصى لرعاية وإعمار المقدسات الإسلامية في الداخل الفلسطيني العالم العربي والإسلامي إلى التحرك الشعبي والرسمي؛ بهدف إحباط تنفيذ مخطط صهيوني لتقسيم المسجد الأقصى وفرض هيكل مزعوم مكانه.
ووصفت المؤسسة مخطط تقسيم الأقصى بأنه "أخطر كثيرًا من جريمة حريق الأقصى على فداحة جريمة الإحراق"، مطالبةً بتدخل وتحرك شعبي ورسمي فلسطيني وعربي وإسلامي على نطاق واسع لإحباط تنفيذ مخطط التقسيم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق