الأحد، 17 يناير 2010

الإسلام في معركة المواجهة مع الصهيونية والاستعمار..د/ محمد عبد الرحمن

مقدمة أساسية:

أولاً نحتاج إلى وقفة ابتدائية لتحديد كلمات العنوان:

نقصد بالإسلام هنا الأمة الإسلامية وما تحمله من قيم الإسلام وشريعته، وإذا أسقطنا هذا المعنى على واقعنا المعاصر فإنه يصبح المشروع الإسلامي، والذي تحمله طليعة من الأمة الإسلامية في مواجهة المشروع الصهيوني.

وأما كلمة الاستعمار، والتي أصبحت مصطلحًا عصريًّا، فهي ليست تعميرًا للأرض بل استغلالاً وسيطرةً، والأكثر دقةً من الناحية اللفظية هو: الاحتلال الأجنبي والاستعباد للدول والشعوب.

وبالتالي لنا أن نُعيد ترتيب كلمات العنوان فتكون "المشروع الإسلامي في مواجهة المشروعين الصهيوني والغربي".

المنطلقات الفكرية

وقبل أن نخوض في مقتضيات الحديث عن ذلك، لا بد لنا أن نُحدد المنطلقات الفكرية والمفاهيم الأساسية التي تُشكِّل الرؤية، ونحدد الموازين التي تستوعب، ونستعرض بها هذا الموضوع.

أول هذه المنطلقات هو تحديد مفهومنا عن الإسلام، وهل هو اسم أو منهج مثل باقي الأسماء والمناهج؟

إن الإسلام يمثل رسالةً عامةً لكل البشرية، ليس خاصًا بجنسٍ أو شعبٍ معين أو زمن معين، كما أن الإسلام وعقيدته التوحيد هو الأصل في حياة البشرية، منذ خلق الله سيدنا آدم عليه السلام، وما حدث من اختلافٍ مع هذا الأصل، هو صور مختلفة من الخروج والانحراف عنه انزلقت فيها البشرية.

لقد استمرَّت البشرية منذ سيدنا آدم عليه السلام على منهج الله الإسلام، وعلى توحيده وعبادته قرابة 3 آلاف عام، ثم حدث الانحراف عن ذلك قبل بعثة سيدنا نوح عليه السلام.

وأرسل الله عزَّ وجل رسله وأنبياءه لهداية البشرية، وليردوها إلى هذا الأصل وإلى الطريق المستقيم، فكانت تستقيم لفترةٍ ثم تنحرف، وهكذا..

إن حدوث هذا الانحراف والخروج عن الطريق المستقيم يحمل في ثناياه حقيقة الصراع بين الشيطان (إبليس) وبين الجنس البشري.. فمنذ أن خلق الله سيدنا آدم وكرَّمه وأمر الملائكة بالسجود له، رفض إبليس هذا التكريم وامتلأ عداوةً وحسدًا على بني البشر، وأظهر (وقد لعنه الله وأخرجه من رحمته) العداوةَ والبغضاءَ للبشر أبدًا، والتحدي في إثبات عدم جدارتهم بهذا التكريم؛ وذلك بالتزيين لهم للانحراف والخروج على عبادة الله بكل صور الإغواء، بل واستخدام بعضهم ضد بعضٍ لتحقيق ذلك، وكل أمله أن يأتي وقت على البشرية ينعدم فيه من يسجد لله ويقر له بالوحدانية.. وكاد هذا أن يحدث عندما كانت تنحرف أغلب البشرية وراء الشيطان عن عبادة الله، ويثبت على الإيمان فئةٌ قليلةٌ صامدة تحمي كرامةَ البشرية وأملها.

بل وصل الأمر إلى نقطة حرجة حين لم يبقَ على وجه الأرض مَن يحمل الإيمان سوى سيدنا إبراهيم وزوجه سارة عليهما السلام.

ولهذا كان يوم الحساب فيه التكريم والثواب لبني البشر الذين ثبتوا على الإيمان، وأظهروا قولاً وعملاً جدارةَ بني البشر لعبادة الله وتكريمه إيَّاهم؛ وكذلك العذاب الأليم نصيب الشيطان المطرود من رحمة الله وبني البشر الذين اتبعوه وتآمروا على البشرية وفلاحها وكرامتها.

وأرسل الله عز وجل الرسالة الخاتمة والمنهج الدائم الكامل (الإسلام)، مع خاتم النبيين والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ حيث أقام دولة الإسلام وأسس أمة الإسلام واستخلفها لحمل راية الإيمان وهداية البشرية لهذا الحق، وردها إلى الطريق المستقيم.

والمنهج الإسلامي يختلف في مفهومه وأسسه وتعامل البشر معه عن المنهج الوضعي؛ فالدين الإسلامي هو منهج أنزله الله من السماء إلى الأرض، ليؤمن به البشر ويرتفعوا إلى مستواه ويتربوا على قيمه وأحكامه ضد جواذب النفس وشهواتها المنحرفة، وضد جواذب الأرض ومعوقاتها، وكلما ازدادوا تمسكًا به وتطبيقًا له، ارتقى إيمانهم وعبادتهم لله، وحققوا السمو والفلاح لبني البشر، أما المنهج الوضعي فهو الذي يضعه قومٌ من الناس في بقعةٍ معينةٍ في زمنٍ معين لعلاج مشاكل خاصة بهم، والتعامل مع طبيعة الظروف التي تُحيط بهم؛ فهو منهج نشأ من الأرض، خاص بفئة معينة، فيه القصور البشري والهوى البشري ولا يصلح لأي زمانٍ أو مكانٍ دون تغيير أو تطوير وتعديل.

والشريعة الإسلامية فيها من الاتساع والمرونة ما يوظَّف فيه الاجتهاد البشري لمواجهة المشاكل الطارئة في حياتهم وفق أسس ومبادئ الإسلام وصبغته الربانية.

وإن المتأمل في المناهج الوضعية ليجد أن أثر منهج الإسلام منذ عهد سيدنا آدم كان عميقًا في البشرية، فتأثرت هذه المناهج الوضعية ببعض القيم والمناهج الإسلامية رغم قصور منهجها وانحرافه عن كثيرٍ من الأمور الأساسية.

نؤكد كذلك أن المنهج الإسلامي جاء للتطبيق وليس للكلام النظري، جاء ليُكوِّن ويؤسِّس أمةً إسلاميةً بمواصفات وأهداف واضحة محددة، ولها صبغة تستمدها من هذا المنهج الرباني.

وكذلك تكون الأمة الإسلامية غير قاصرة على جنسٍ أو شعبٍ أو زمانٍ معين، ولهذه الأمة رسالة وأمانة تتمثل في التطبيق العملي الصحيح لهذا الدين ونشره وتعريف البشرية به ودعوتها إليه، فمن قام بذلك فقد أصبح من أمة الإسلام، وحملها لهذه الأمانة ليس خيارًا، بل فريضة وواجبًا.

أن مدى تمسك الأمة بدينها والقيام برسالتها وأداء تكاليفها، هو الذي يحدد مدى ارتقائها وفلاحها، وأن ابتعادها وضعف تمسكها وتركها رسالتها يؤدي إلى انحدارها وتأخرها وغلبة الأعداء عليها.

وأن الأمة الإسلامية أمة واحدة على مرِّ التاريخ منذ عهد آدم وطوال سيرة الأنبياء والرسل عليهم السلام، وهذه الأمة مستمرة إلى يوم القيامة، والإسلام يحمل قيم الحق المطلق؛ لأنه المنهج الرباني، ويدعو البشر إليه أفرادًا وشعوبًا وحكومات، بالحكمة والإقناع حتى يؤمنوا به عن فهمٍ واعتقادٍ وليس جبرًا واضطهادًا.

كما أنه يواجه الظلم والاستبداد أينما وُجِدَ؛ حرصًا على فلاح البشرية واستقامتها.

أن السلام والعدل والحرية من قيم الإسلام الأساسية التي تدعو إليها أمة الإسلام وفق المفهوم الإسلامي الكامل الشامل.

فالإسلام كمنهجٍ للبشر، لم يأتِ ليتقوقع وينحصر في بقعةٍ معينةٍ أو أن يترك الظلم والفساد والاستبداد يؤثر على البشر، وينحرف بهم أو يفتنهم، ويمنعهم عن النور والهداية، بل على الأمة الإسلامية أمانة مواجهة ذلك وإنقاذ البشرية وإرشاد العالمين وإزالة كل معوقٍ يُؤثِّر على النفس البشرية ويمنع عنها حريتها في الإيمان والنجاة من عذاب الآخرة.

الصراع والمعركة

بعد هذه الأسس في الفهم، وهي ضرورية لوضوح الرؤية، نتكلم عن الصراع والمعركة.

أولاً: هل الإسلام يرتبط مع الصراع؟ وهل جاءت الأمة الإسلامية بالحرب والمعارك وتدمير حياة البشر؟

نقول: إن الدول الإسلامية، والأمة الإسلامية الأصل في العلاقة بينهما وبين الدول الأخرى على أمرين:

أ) الدعوة، وأداؤها بالحكمة وما يقتضيه ذلك من وسائل.

ب) المعاملة بالمثل، فمن سالم الأمة وهادنها سالمته، ومن اعتدى عليها ردَّت عدوانه، وكذلك من منع إبلاغها الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، ردت عدوانه.

- أن هذا الصراع مفروضٌ على أمة الإسلام، وليس هي البادئة به، فإن المنهج الإسلامي كان هو الأساس في تاريخ البشر، وكان قادة الأمة الإسلامية من الأنبياء والرسل يواجهون الانحراف البشري الطارئ على تاريخها بالدعوة والحكمة، وكانت الفئة المنحرفة حتى البادئة بالعدوان والمتحفزة للصدام والصراع.

فكان هذا الصراع مفروضًا على أمة الإسلام ولا ينتهي إلا باندحار القيم الباطلة والفاسدة، وظهور قيم الحق والعدل التي أمر الله بها ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81)﴾ (الإسراء).

أن أصل هذا الصراع بدأ مع الشيطان الذي يصرُّ على تحدي الإنسان والاستعانة ببعض أبناء البشر ضد دعوة الحق؛ لتحقيق دعواه بهزيمة البشرية وعدم جدارتها بعبادة الله.

وبالتالي كان هذا التدافع الذي يجب أن يكون عليه أهل الحق وأمة الإسلام لمواجهة هذا العدوان ولمواجهة منع وصول رسالة الهداية إلى جميع البشر ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: من الآية 40).

فهذه المعركة، وذلك الصراع مفروض على أمة الإسلام التي يجب أن تأخذ بسنة الله في التدافع وحماية الحق وإزالة الظلم والعدوان.

ثانيًا: وإذا كان هذا الصراع والتدافع حتميًّا فهل يمكن أن يحدث بين الطرفين صيغة توافقية مشتركة يتنازل كل طرفٍ عن جزءٍ منه في سبيل منع الصراع نقول: إذا كان المقصود بهذا الطرح توفيق القيم وإنتاج شيء مشترك أو التخلي عن جزءٍ من أهدافه أو تغيير صيغتها ومحتواها فهذا مرفوض قطعًا، فقيم الإسلام تواجهه قيم الباطل وأهدافه وعقيدته، وقيمه تمثل الحقيقة الربانية المطلقة، وهي تواجه قيم الباطل وتهزمها وتزهقها.

أما إذا كان المقصود هو التعامل بين الدول في أمن وسلام وعدم اعتداء فإن هذا من مطالب الإسلام بشرط أن يقوم ذلك على الحق والعدل ورد الظلم ومنع العدوان، فالسلام هو من دعوة الإسلام وألا يمنع أحد وصول دعوة الله إلى كل البشر ليفهموها ويؤمنوا بها دون جبر أو إكراه.

وقفة التاريخ

لكن القارئ للتاريخ والمشاهد للواقع المعاصر، يرى أن المناهج المخالفة للإسلام ما زالت تقوم على الظلم والعدوان، والإقصاء للآخر، بل حتى فيما بينها تتصارع وتتنافس رغم اشتراكها في البعد عن منهج الله.

لقد كان الظلم والعدوان هو سمت أصحاب المنهج المنحرف عن طريق الإسلام، وكانوا يصرون على الإقصاء لدعوة الحق حتى كموعظةٍ ولأهل الحق مهما قلَّ عددهم وضعفت إمكانياتهم؛ لأنهم كمنهج باطل يرفض مجرد وجود شعاع النور، وما زالت تطرق آذان التاريخ صيحة هذا الباطل ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (النمل: من الآية 56).

الموازين التي تحكم الصراع

نتكلم عن الموازين الإسلامية التي تحكم هذا الصراع، وذلك التدافع بين أهل الحق وأهل الباطل، والحكمة التي قدَّرها الله في ذلك.

أولاً: إن تمسك الأمة بدينها ومنهجها الإسلامي وحرصها على أداء أمانة الدعوة هو الأساس في القوة ونجاحها في تحقيق أهدافها ورد أعدائها.

ثانيًا: إن عوامل النصر والهزيمة تقوم أساسًا على الوضع الداخلي في تمسكها بهذه القواعد، وليس على قوة الضغط الخارجي.

فإن تجرد الدعاة وترابطهم ولجوئهم لله وعدم غرورهم أو إعجابهم بأنفسهم وتحقيقهم للإخلاص والصدق في جهادهم كلها عوامل للتمكين والنصر.

أما التنازع والاختلاف والجدل، والتفرق وإرادة الدنيا.. إلخ.. فإنها تؤدي إلى الفشل والهزيمة مهما كانت القوة المادية التي معهم، وبالتالي فإن الضغط الخارجي يمثل معوقات وأذى لكنه لا يحسم المعركة لصالحه مهما كانت إمكانياته المادية: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى﴾ (آل عمران: من الآية 111)، ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ (آل عمران: من الآية 120).

ثالثًا: إن الله لم يكلفنا النتائج، وإنما سلامة القصد (الإخلاص) وصحة الخطوات (أي مطابقتها لمنهج وشرع الله).

رابعًا: لم يحدد الله عز وجل توقيتًا للنصر أو شكلاً واحدًا له، وإنما جعل الأمر بيد الله عز وجل، فكان هناك صور متعددة لهذا النصر بمعناه العميق، من انتصار المبادئ والقيم، فيتحقق ذلك من ثبات الفئة المؤمنة رغم استشهادها، أو في نجاة الفئة المؤمنة وهلاك الكافرة، وكذلك في تحقق النصر مع التمكين والغلبة في الأرض.

خامسًا: قد يطول الصراع أجيالاً وأعوامًا، وعلينا بذل الجهد البشري حتى يستفرغ البشر طاقاتهم ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ﴾ (البقرة: من الآية 214)، ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ (يوسف: من الآية 110).

وكذلك حتى يتحقق الفرز والتمحيص بين الفئتين، فيتميز أهل الحق، ويتميز أهل الباطل وكذلك تتأكد وتترسخ في الفئة المؤمنة المظاهر الحقة للإيمان وللصبر والجهاد والتضحية، ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ (آل عمران: من الآية 140)، ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)﴾ (آل عمران: من الآية 140- 141)، ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران: من الآية 146).

سادسًا: أن أصحاب الباطل يكونون في مزيدٍ من القوة المادية والغلبة العسكرية ويبذلون الوسع والقدرة في التخطيط والتنفيذ ثم يفشلون في النهاية أمام قدر الله.

وذلك حتى لا يكون سبب هزيمتهم هو نقص الإمكانيات أو ضعف التخطيط، وإنما لأنهم باطل زاهق في ذاته، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)﴾ (الأنفال).

وكذلك تكون الفئة المؤمنة قليلة العدد، ضعيفة الإمكانيات، حتى لا تغتر بنفسها، وتدعي أن النصر مرده ذاتها وخطتها وإمكانياتها، وإنما ترد الأمر كله لله.

سابعًا: وجود اليقين عند الفئة المؤمنة وعدم اهتزازه، اليقين بصواب المنهج، اليقين في نصر الله لدينه والتمكين للفئة المؤمنة التي استكملت صفات التمكين والعبودية لله، ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ (الأحزاب: من الآية 22).ثامنًا: أن يكون الأصل في الحركة هو التوكل على الله والرجوع إليه، وطلب العون منه والتوفيق منه، وأن تقوى الله هو الحصن الذي نفرُّ إليه ونواجه به كل الأزمات والأخطار.. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق).

وكما قال ابن الجوزي "أن تكون ببدنك مع الأسباب وبقلبك مع مسبب الأسباب".. مع الله سبحانه وتعالى؛ أي متجردًا له مخلصًا إليه مُتبرِّئًا من كل حول وقوة، وإذا اختلَّ هذا الأمر فقد حبط العمل، وفشل في النهاية ولم تنفع معه الأسباب.

تاسعًا: أن هناك عوامل أساسية تمرُّ من خلالها هذه الموازين، وتحكم بقدر الله نتائج المواجهة والحركة:

1- الجهد البشري ومدى استفراغ طاقته ومدى أخذه لقيم الإيمان وموازين الثبات وأهداف الدعوة.

2- مدى مراعاة نواميس الكون ونواميس التغيير التي قدَّرها الله عزَّ وجل.

3- العامل الرباني، وهو فوق كل ذلك من عوامل بعلم الله الشامل وقدرته التي هي فوق الأسباب والمسببات التي خلقها، وحكمه في التقدير والتصرف والمشيئة المطلقة له سبحانه وتعالى.

تاريخ المواجهة

عندما جاءت رسالة الإسلام الخاتمة على يد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خاتم الأنبياء والمرسلين، وأقام دولة الإسلام، ووضعها على المحجة البيضاء لتؤدي رسالتها، فقد واجهت في الأعوام التالية معوقات ومواجهات داخلية من المنافقين ومن النفوس الضعيفة، وخارجية من الأعداء المحاربين لها من الفرس والروم في ذلك العصر، إلا أن هذه المقاومة للإسلام لم تُشكِّل مشروعًا، وكان أول مشروعٍ لمواجهة المشروع الإسلامي ودولة الإسلام هو مشروع عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي ركَّز على التآمر الداخلي وإحداث الفتنة، ونشر الأفكار الضالة المنحرفة عن العقيدة، والعمل داخل المجتمع المسلم لتحطيمه، ثم بعد سنواتٍ كثيرة ظهر المشروع الصليبي عام 1095م ليستمر في صور متعددة مع هذا المشروع اليهودي.

ورغم تصدي الأمة الإسلامية لهذين المشروعين واستيعابهما وإيقاف خطرهما إلى حدٍّ ما إلا أنها بعد مرحلة التمسك القوي بدينها وحمل راية الدعوة بدأ الانحراف تدريجيًّا، بدأ في منظومة الحكم، ثم استمرَّ ليحدث خللاً في وحدة الأمة الإسلامية، وانتهى إلى درجةٍ كبيرةٍ من التخلف العلمي والاجتماعي والعسكري والبعد عن قيم ومبادئ الإسلام، وإلى حالة من التشرذم والتنازع والصراعات الداخلية حتى صدق وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه لسيدنا حذيفة عن مراحل حال الأمة.. "دعاة إلى أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها".

بداية المشروع اليهودي وتطوره

بدأ هذا المشروع- كما أشرنا- مع عبد الله بن سبأ في أواخر خلافة سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، ورغم خطورة هذا المشروع ومقاومة الأمة له وتقديمها تضحيات كثيرة إلا أنها نجحت في إخماده إلى حدٍّ ما، لكنه لم يتوقف بل استمرَّ، وانتهز فتراتِ الصراع ليظهر ويحرك المسلمين ضد بعضهم ويمزق وحدتهم، ويدس أفراده في المناصب المختلفة.

وقد تبلور هذا المشروع في التركيز على:

1- الانحرافات الفكرية.

2- تشجيع ودعم وإنشاء التجمعات المناوئة، والحركات السرية الهدامة.

3- تحطيم قيم المجتمع.

4- التخلص من قيادات الأمة (بالاغتيال والمؤامرات).

5- تأليب المسلمين بعضهم على بعض وإشاعة الفتنة فيما بينهم.

6- ضرب وحدة الأمة واستغلال التنازع على الرئاسة.

ثم قوي هذا المشروع عندما واجهت الأمة موجةَ الحملات الصليبية، وكان ممولاً وداعمًا لها، بل وعميلاً يمدها بالمعلومات.

وبعد اندحار هذه الموجات، استمرَّ هذا المشروع بأسلوبه السري الخبيث، فلم يلتفت أحدٌ لخطورتهم واستمرارهم، بل تلوَّن وأخذ أشكالاً مختلفة، ومع الموجة الجديدة للمشروع الغربي موجة الاستعمار، شهد هذا المشروع اليهودي نقلةً ضخمةً كبرى إذْ أصبح له قيادة على مستوى العالم، واتخذ واجهات متعددة مثل الماسونية وغيرها، ثم تبلور في مشروع الحركة الصهيونية العالمية مستفيدًا من التقدم الذي أحرزه على مستوى دول العالم والإمكانيات الهائلة التي أصبح يمتلكها اليهود.

وتم صياغة هذا المشروع على يد هرتزل وتدشينه في مؤتمر مدينة بال بسويسرا 1897م؛ حيث يستهدف فيه القضاء على الأمة الإسلامية وإخضاعها للسيطرة اليهودية وإقامة أمة اليهود ودولتهم في قلب الأرض المقدسة، بل وتوجيه وقيادة المشاريع الأخرى المناوئة للإسلام.

ورغم جذور العداء التاريخي بين اليهود والدول المسيحية في أوروبا في العصور الوسطى إلا أنهم نجحوا في احتواء هذا الشعور، ونجح المشروع بالمساندة الغربية في الاستيلاء على أرض فلسطين والدخول في مواجهةٍ حاسمةٍ وخطيرة مع العالم الإسلامي ومشروعه للنهضة.

المشروع الغربي وتطوره

بدأ هذا المشروع عام 1095م على يد أوربان الثاني بابا روما؛ حيث أعلن هذا المشروع وأهدافه في مؤتمر مدينة كليرمونت بفرنسا، حضره 300 من القساوسة ورجال الدين ولفيفٌ من أمراء أوروبا.

وكان بطرس الناسك (الحافي) صاحب الزخم الإعلامي لاستثارة حماسة أوروبا حكامًا وشعوبًا.

تبلور هذا المشروع في موجات متتالية من الحملات العسكرية الصليبية الموجهة ناحية الأرض المقدسة منطقة فلسطين والشام، ومحاولة الاستيلاء عليها، وإقامة قاعدة كبرى لهم ينطلقون منها للقضاء على الأمة الإسلامية، واستمرَّ ذلك طوال مائتي عام.

وتمكَّنت الأمة من القضاء على هذه الحملات عندما اتحدت قواها في منطقة المواجهة ووضعت إستراتيجية كاملة لذلك، تمثَّلت في المشروع الذي أعدَّه وحمل لواءه الشهيد محمود نور الدين وأكمله القائد صلاح الدين الأيوبي.

واستطاع هذا المشروع الإسلامي بعد ذلك استيعاب زحف التتار المدمر وتحويله للإسلام، لكن ذلك كان يُشكِّل مجرد رد فعل، واستمر بنيان الأمة في جميع مناطق العالم يحتاج إلى مشروعٍ كاملٍ للإنقاذ والإصلاح.

لقد استفاد الغرب خلال هذه الحملات في الاحتكاك بالحضارة الإسلامية ونظامها المجتمعي والسياسي المتقدم والعلوم المتفوق فيها والحرية التي تعيشها مؤسساتها، استفاد من ذلك وشكَّل هذا قاعدةَ انطلاق قوية لبناء دوله العصرية وتقدمها، في حين بقيت الأمة الإسلامية على نفس المشاكل والمنازعات، فلم تفق بعد، ولم ترتب أمورها، وتستعيد رسالتها رغم ظهور الدولة العثمانية القوية لعدة سنوات، لكنها كانت أعجز من أن تعالج جذور الداء، وأن تحشد الأمة كلها وتستعيد وحدتها القوية.

ومع انتهاء فترة العصور الوسطى وفشل المشروع الصليبي بدأت النهضة الحديثة التي تأثَّرت واستمدَّت انطلاقتها من التقدم العلمي والحضاري عند المسلمين، لكنها لم تنفصل عن هذه الجذور في المواجهة، ولم يخمد مشروعها الصليبي بل طورت مشروعها، وكان لقادة اليهود دور أساسي في ذلك؛ حيث كانوا هم من قادة النهضة الأوروبية الحديثة، وتم فيها استيعاب الكنيسة وهيمنتها السياسية عليهم.

وظهر هذا المشروع الغربي، في مشروع عُرف باسم (الاستعمار)، وهو إن كان يحمل في أهدافه الطموح والتوسع وامتلاك أسباب القوة، وخاصةً الاقتصادية إلا أن مساره وتوجهاته كانت استمرارًا للمشروع الصليبي القديم، وبذلك تبلور المشروع الغربي الحديث الذي استمدَّ جذوره وأفكاره من أفكار اليهود، ومن نظريات ونصائح لويس التاسع، ومن تجارب الحروب الصليبية، تبلور هذا في الحملات العسكرية والفكرية، واهتمَّ الاستعمار بهذا الجانب الثقافي والسلوكي ليُنشئ شريحةً وفئةً مرتبطةً به من أبناء المسلمين ومتأثرةً بهذا المشروع، وتكون خادمةً له، ويُمكِّن لها السلطة في البلاد، وأن تنتشر قيم الغرب مع إبعاد قيم الإسلام أو قصرها في نطاق غير مؤثر وإضعافها عند المسلمين، ومواجهة مَن يحاول النهوض بالمشروع الإسلامي.

كما أوضح المشروع أهمية مصر، وأن مركز الثقل في العالم العربي، وبالتالي الإسلامي انتقل إليها، وأن عليهم أن يُركزوا على الأطراف لإبادتها، وعلى الأماكن الضعيفة لإخراج الإسلام منها، وأن يُستخدم الغزو الفكري داعمًا وممهدًا لهذا الزحف العسكري.

الواقع الحالي للمشروعين الصهيوني والغربي

استغل الغرب تراجع الأمة الإسلامية وتخليها عن رسالتها والجهاد في سبيلها والتنازع فيما بينها، والفجوة العلمية الهائلة التي حدثت نتيجة ذلك، استغلَّ ذلك في إنجاح مخططه والسيطرة شبه الكاملة على أغلب بلاد العالم الإسلامي والعمل على تمزيقها، وإبادة الأطراف فيها، وإعادة تشكيلها بما يخدم أغراضه ويُنشئ له قاعدة يستند عليها في تلك البلاد.

وبالتالي فإن العصر الحديث في تلك المرحلة شهد تطورًا جذريًّا للمشروعين اليهودي والغربي.

فالمشروع اليهودي تمكَّن من إحكام سيطرته على مناطق النفوذ في العالم (المال- السلاح)، وبلور مشروعه في الاستيلاء على أرض فلسطين ومحاولة إنشاء دولته من النيل للفرات، والسيطرة على المنطقة اقتصاديًّا وسياسيًّا، ونجح في تحقيق كثيرٍ من أهداف الحركة الصهيونية التي ما هي إلا واجهةٌ من واجهاتِ المشروع اليهودي العالمي.

وكذلك المشروع الغربي الذي قام بموجات الزحف العسكري فيما يُسمَّى بالاستعمار الحديث، تطوَّر أمام نمو الشعور القومي والوطني للشعوب، وأصبح مع تركيزه على الجانب الاقتصادي، أصبح له مشروع متكامل من الأفكار والقيم والمبادئ يزرعها في العالم الإسلامي، ويعيد تشكيله، والقضاء على روح الجهاد فيه.

وهو يُمني نفسه بأحلام النجاح يُغذي ذلك لديه بتجربته الناجحة في استيعاب شعب الهنود الحمر وتذويب شخصيتهم لمَن نجا بعد ذلك من الإبادة، وكذلك ما فعله بالشعب الياباني ونجاحه في تغيير الهوية والشخصية وزرع القيم الغربية لديه، لكن لا يدرك مدى قوة الإسلام وأثره في النفوس ومدة ثبات الطليعة الإسلامية التي تواجهه بثباتٍ وإصرارٍ رغم كل المعوقات.

المقاومة والمشروع الإسلامي الحديث

لقد قامت في مواجهة حملات الإبادة والاستعمار القبيح، حركات مقاومة إسلامية بذلت الكثير من التضحيات، وأعاقت إلى حدٍّ ما بعض المخططات، لكن في النهاية تمكَّن المشروع الغربي من استيعابها والالتفاف حول تلك المعوقات التي واجهته في ذلك الحين، محافظًا على إستراتيجيته وأهداف مشروعه.

وظهر علماء أحسنوا النصح للأمة، لكن كل ذلك كان محاولات فردية أو محدودة ولم ينتقل من حيز القول إلى حيز الفعل، ومن حيز الفعل وردود الأفعال إلى مشروعٍ متكاملٍ ورؤية ثاقبة مكافئة لهذه المواجهة، كما شهدنا حركات بدأت قوية ثم ما لبثت أن انتهت ولم تحقق المنشود منها.

وبالتالي كانت الأمة الإسلامية في تلك الفترة وقد أحاط بها ظلام الأعداء من كل جانب، وانتشر فيها الضعف بمختلف صوره بحاجةٍ إلى قيادةٍ ترسم معالم هذا المشروع وتحوله إلى واقعٍ عملي تنظيمي وإلى مراحل مترابطة مستمرة تجمع الأمة عليه، ويكون بذلك أساس نهضتها، وتواجه به كلا المشروعين الصهيوني والغربي، بكفاءةٍ وحكمةٍ وبُعد نظر.

وكان ذلك بفضل الله على يد الإمام البنا ومشروعه الإسلامي الكامل لنهضة الأمة ومواجهة الأعداء.

وتميَّز هذا المشروع بالرؤية الصحيحة الشاملة الكاملة، وبأصالة هذا المشروع الإسلامي واتباعه هدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقدرته على تحويل مقوماته ورؤيته إلى أرض الواقع وبناء كيانٍ وتنظيمٍ قوي مترابط.

يستهدف هذا المشروع:

1- بناء الفرد المسلم والشخصية الإسلامية المتكاملة.

2- بناء أركان البيت المسلم وتحقيق مظاهره ودوره المجتمعي.

3- بناء المجتمع المسلم في قيمه وأعرافه وسلوكه وصبغه بالصبغة الإسلامية المتكاملة.

4- تحرير الوطن من كل سلطانٍ أجنبي (غير مسلم) اقتصاديًّا وثقافيًّا وسياسيًّا وعسكريًّا.

5- إصلاح الحكومة حتى تكون إسلاميةً بحق تؤدي دورها وفق قواعد الإسلام.

6- استعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية ووحدتها وإعادة الخلافة المفقودة.

7- أستاذية العالم وقيام الأمة برسالتها ودعوتها في جميع أرجاء الأرض.

وكان اختبار الزمن والقدرة على مواجهة التحديات والمؤامرات وتحمل الضغوط المختلفة والثبات على المبادئ رغم تعدد الأجيال، هو المعيار الأساسي في الحكم على هذا المشروع، ومدى قدرته على تحقيق آمال الأمة ومدى جدارته بقيادتها.

لقد انتشرت هذه الدعوة وترسخت في كل بقاع الأرض، وأصبحت هي أمل الأمة الإسلامية والأصل الذي تنطلق منه كل الاجتهادات والحركات الأخرى.

لقد ثبتت واستعصت على الاحتواء أو الخداع أو المساومة أو الإبادة، رغم كثرة التضحيات وضراوة المحن.

إنه بالقياس لباقي الحركات والاجتهادات الإسلامية الأخرى في عصرنا الحديث، أثبت هذا المشروع أنه ما زال مستمرًّا لم يغير أو يبدل رغم طول الزمن بالقياس إليهم، وأنه ما زال قادرًا على المواجهة بل هو فعليًّا لمَن ينظر إلى الساحة والميدان هو الذي يقود الأمة في هذه المواجهة.

إن هذه الدعوة أصبحت تمتلك القيادة الحازمة والخبرة العملية التاريخية، والقدرة على الرؤية الإستراتيجية.

أنها تميَّزت بالوحدة والحب والترابط والالتفاف حول القيادة، رغم كل إشاعات الزعزعة وحملات التشهير والتشويه.

أن ما قدمته وأحدثته من أثرٍ فعَّالٍ في إيقاظ الأمة وحشدها في معركة المواجهة والتصدي ليبشر ويؤكد أنها الطليعة الرائدة، وأنها منصورة بإذن الله.

وإذا تحدثنا عن هذا المشروع الضخم، فإننا نوجزه في كلمات: إنها تحمل مشروعًا إسلاميًّا متكاملاً على منهج النبوة؛ وذلك لنهضة الأمة الإسلامية في كل العالم وتحقيق رسالتها بأسلوبٍ مكافئ للتحدي العالمي الذي تواجه وللواقع الذي تتعامل معه.

مؤشرات ونتائج في المعركة المستمرة

1- هناك مظاهر مطردة ليقظة شعوب الأمة الإسلامية وإحساسها بهويتها؛ مما أزعج الأعداء، وقد ظهر ذلك في:

أ) تنامي روح الجهاد، وإحساس الأمة بقضاياها الكبرى، والمشاركة العالمية لرد العدوان، (وكمثال تداعي الشباب للجهاد لرد الغزو الروسي عن أفغانستان).

ب- ازدياد مطالبة الشعوب بحريتها السياسية، ورفض صور الاستبداد من الطبقة الحاكمة المرتبطة بالغرب.

ج- استمرار خط المقاومة وزيادة اقتناع الأمة به، ودعمه رغم محاولة محاصرة وتصفية هذا الخط، وظهر ذلك في القضية الفلسطينية والمقاومة الإسلامية (وعلى رأسها حماس) وهي تتصدى للعدو الصهيوني.

ء- نجاح المقاطعة الشعبية ضد العدو الصهيوني رغم التطبيع مع الحكام والأنظمة.

هـ- زيادة وعي الأمة بخطورة المشروع الغربي الصهيوني وبالمؤامرة المستمرة على الإسلام رغم محاولات الغرب تحسين صورته.

2- زيادة كفاءة الحركات الإسلامية (المعتدلة) وفتحها مجالات أوسع للعمل والدعوة، واكتسابها ثقة الأمة.

كما ظهر نجاح الأداء السياسي للحركات الإسلامية، وبخاصة لجماعة الإخوان المسلمين في كل الأقطار المختلفة، وزيادة ثقة الجماهير والتفافهم حولها رغم وسائل التزوير.

وأدرك الآخرون- كما قالوا وصرحوا- أنه إذا جرت انتخابات نزيهة فسوف يفوز هذا الفصيل الإسلامي بالأغلبية.

3- دخل التحدي في معركة القيم مرحلةً جديدةً خطيرة، وفي نفس الوقت أخذت مظاهر تمسك الأمة بدينها تتحسن باطراد؛ مما يشير إلى أن الإسلام وتفاعل القلوب معه هو الذي سيكسب في النهاية ويحسم المعركة لصالحه.

4- انهيار كل الدعوات الفاسدة التي افتتحه بها شرائح مختلفة من شعوب البلاد العربية والإسلامية؛ حيث انهارت رموزها واندثر بريقها، وظهر قصورها مثل الشيوعية والاشتراكية والعلمانية، والقومية الضيقة... إلخ.

5- بداية ظهور علامات فشل وانهيار هذا المشروع المعادي حتى في عُقر داره وإن كانت لم تكتمل أو تصل للدرجة الحاسمة، إلا أن صمود المشروع الإسلامي ونجاحه في الانتشار والتصدي الميداني، ليؤدي بأمر الله إلى زيادة هذه العوامل ووصولها إلى مرحلة الفشل والهزيمة.

خاتمة:

إن هذا المشروع المعادي بعد أن كان يواجه أرضًا غافلة مستكينة لمشروعه وأهدافه، أصبح الآن يواجه معوقات جد خطيرة، يواجه قيادة الحركة الإسلامية التي تتصدى له في كل شارع وكل مسجد وكل جامعة وكل مدينة تعتز بدينها وتدرك عظمة الرسالة التي تحملها وعقيدتها التي تؤمن بها، واليقين الكامل في نصر الله لهذا الدعوة.

تدرك الحركة الإسلامية أن المعركة طويلة، وتمتد لأجيال لكنها لا تيأس، وتأخذ بالنفس الطويل، وتضع لمشروعها الكامل الرؤية الإستراتيجية بعيدة المدى والمراحل المتلاحمة المحققة للأهداف والوسائل المناسبة لكل مرحلة.

ورغم تحقيق المشروع المعادي بعض النجاحات القصيرة بسبب وفرة الإمكانيات لكن المعوقات والمقاومة أمامه تزداد وتكبده خسائر كثيرة، وقد فشل الأعداء في القضاء على مشروع المقاومة في حين تكسب الحركة الإسلامية كل يوم رصيدًا جديدًا في دعوتها.

إن المستقبل بقدر الله، يحمل من الأحداث والتغيرات ما يجعل الحركة الإسلامية تصل إلى مستوى المواجهة والحسم لهذا المشروع المعادي.

وإن غدًا لناظره لقريب ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: من الآية 214)، والله أكبر ولله الحمد.

ـــــــــــــــــــ

* عضو مكتب الإرشاد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق