الثلاثاء، 2 مارس 2010

القضية الفلسطينية.. التباسات بلا حدود (1 , 2 , 3 )

القضية الفلسطينية.. التباسات بلا حدود (1 ـ 3)

بقلم: محمد خالد الأزعر

جوانب كثيرة من الحيثيات والرؤى المرتبطة بالقضية الفلسطينية، بالمعاني التاريخية والدينية الثقافية والسياسية والاجتماعية السكانية والقانونية، تثير الشهية للحديث عن الالتباس واللاوضوح. من يفتح هذا الباب سيعثر على مادة غنية، من جماعها وتراكمها نشأ التعقيد والامتداد المصاحب للقضية منذ إطلالتها الأولى.

وعليه، لا يكفي لشرح القضية الفلسطينية القول بأنها مجرد واحدة من قضايا «الاستعمار والتحرير» التقليدية. ذلك لأن غمار هذه القضية وسيرورتها تنطوي على ما يمنحها صفات الاستثناء والتفرد. وجزء من هذه الخاصة يرد إلى ما يكتنفها ويحيط بها من التباسات وسوء دراية بالتفاصيل التي تكمن الشياطين بالفعل في جوانب معينة منها.

وتقديرنا أن بعض هذه الالتباسات قديم متجذر وبعضها جديد مستحدث؛ بعضها جاء عن قصد وتدبر وسوء طوية وبعضها غير مقصود يمكن الوقوع فيه عفو الخاطر وبحسن نية؛ بعضها صنعته القوى الدولية وبعضها من إنتاج عربي وفلسطيني مبين.

نتأمل هنا نماذج من هذه الالتباسات وما اتصل بها من تعقيدات في مراحل مختلفة. ونبدأ بالتباسات عهد النشأة الأولى للقضية التي بلورتها رؤى وسياسات أطراف مختلفة، دولية وصهيونية وعربية وفلسطينية، على نحو أسس للتفرد الذي توسم به هذه القضية، وقاد إلى أخطاء جسيمة في تصرفات بعض هؤلاء الأطراف.

ومن الأمثلة التي تعن للمتابع في هذا الإطار:

1ـ الرؤية القائلة بإمكانية حل المشكلة اليهودية الأوروبية في فلسطين، وأن إنشاء كيان يهودي في هذه البقعة سوف يحقق لليهود أمانيهم «القومية» ويضمن للقوة الأوروبية التي تتبناه مصالحها في العالم العربي والشرق عموماً.

لقد ربطت هذه الرؤية بين أحانين بعض اليهود الروحية نحو فلسطين والقدس، وبين فكرة القومية والقوميات التي كانت قد يفعت في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، وبين النوازع الاستعمارية الأوروبية الفوارة تجاه عوالم الآخرين.

هذا مع العلم بأن اليهود لا يتوفرون على خصائص الأمم والقوميات كما حددها الفكر السياسي الأوروبي ذاته (كاللغة والتاريخ والتجربة الاجتماعية والاقتصادية المشتركة..). وكان ذلك الربط من الالتباسات المصنوعة التي أعادت للذهن خلط الإبعاد المادية المصلحية بالأبعاد الدينية إبان غزوة الفرنجة لفلسطين والمشرق العربي قبل قرون.

ولا أدل على انتماء هذه الرؤية للالتباسات التاريخية الممتدة والمروعة من أن المشروع الصهيوني وكيانه "إسرائيل" لم يضمن ائتلاف يهود العالم ولا هو تكفل بتحقيق الأمن لمن وفد منهم إلى فلسطين.

وتقول الشواهد بأن اليهود الذين أغوتهم هذه الرؤية الملتبسة هم أقرب إلى ملح الأرض من يهود أوروبا وآسيا والعالم العربي وإفريقيا. هذا على حين تعيش قطاعات أخرى يهودية مترفة في كنف المجتمعات الغربية بمأمن من الأخطار التي ما انفك الكيان الصهيوني يعانيها منذ قيامه.

ومن وجهة نظر تستحق الاهتمام فإن الاستعمار الاستيطاني الصهيوني لفلسطين لم يتمكن من حل المشكلة اليهودية الأوروبية بالكامل. فبين الحين والآخر يتصاعد النداء الإسرائيلي إلى يهود فرنسا مثلاً بضرورة «الهجرة لإسرائيل» منعاً لإشكالات تحيط بوجودهم هناك.

ثم إن دعوى "إسرائيل" بتمثيل يهود العالم أينما كانوا ومنحهم حق الجنسية الإسرائيلية بسهولة، يثيران قضية ولائهم لمجتمعاتهم ودولهم الأم.. وهما من مظاهر الالتباس في قضية الهوية والولاء بالنسبة لهم.

ولأن الشعب الفلسطيني لم يسلم كلياً بحق اليهود في كيان لهم بفلسطين ومازال يطالب بملكيتها وعروبتها، فإننا بصدد مظهر آخر للالتباس أمام بعض قوى المجتمع الدولي محوره السؤال: لمن كانت فلسطين بالأمس ولمن هي اليوم ولمن ستكون مستقبلاً؟.

2ـ الرؤية القائلة بأن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.. وهذه من بواكير الدعاوى والمقولات التي أشعلت التباسات لدى قوى كثيرة، بما في ذلك قطاعات يهودية. فقد روجت الصهيونية السياسية لصورة تبدو فيها فلسطين أرضاً مهملة قاحلة موحشة تسرح فيها الثعالب والثعابين وتحلق في سمائها الغربان؛ تتوق لمن يتولى إعمارها وفلاحتها وإدخالها في رحاب الحضارة والتقدم.

غير أنه بمرور الوقت وبزيارات بعض المهتمين من أهل الفكر والسياسة لفلسطين، ظهرت حقيقتها كأرض مملوكة لشعب ينتمي لأمة عربية إسلامية لها قدم وباع في العمران والحضارة الإنسانية برمتها.

وقد شهد بذلك بعض أوائل الصهاينة ذاتهم. لقد أنشأت الصهيونية بزعمها المذكور التباساً بين القائلين بضرورة إعمار فلسطين بالعنصر اليهودي «النشط»، وبين القائلين بأن فلسطين عامرة بأهلها.

ومع أن احتدام الصراع على أرض فلسطين ومن حولها أدى إلى تقادم هذا الالتباس،إلا أن ثمة من لا يزالون أسرى التخرصات الصهيونية والاعتقاد بأن فلسطين هي مجرد «أرض التوراة» التي أعاد اليهود سكناها وإعمارها رغماً عن إرادة «العرب المتخلفين»!.

3ـ الحيرة بين الرابطة الإسلامية والأواصر القومية.. ففي نهاية العهد العثماني؛ وقت اشتداد الصراع على مصير الدولة العلية وميراثها، تَمَاَيز العرب عموماً، ومنهم الفلسطينيون، بين من أرادوا استمرار الخضوع للأستانة مع حكم لا مركزي، وبين من رغبوا في الخلاص كلياً من حكمها تحت شعارات قومية.

وكان من بين دفوع هؤلاء وهؤلاء العمل على صيانة عروبة فلسطين من الخطر الصهيوني ومطامع اليهود المحلقة. فمنهم من استأنس بظلال الدولة العثمانية ومنهم من تطلع إلى الاستقلال بمساعدة الغرب لهذا الغرض.

وقد تلاشى هذا الالتباس جزئياً بغلبة الشعور القومي والاستماع إلى نداءات الحلفاء البريطانيين والفرنسيين إبان الحرب العالمية الأولى. غير أن الالتباس عاد بقوة بعد نهاية الحرب ووقوع المشرق العربي وفلسطين تحت الاحتلال الأنجلوفرنسي.

وكان السؤال في ذلك الحين هل تدخل فلسطين أم لا في وعد الدولة العربية المستقلة الممنوح من بريطانيا للشريف حسين زعيم الثورة العربية الكبرى. وبعدما قضى التحالف الاستعماري على آمال الاستقلال العربي وأوقع العراق والشام تحت الحماية والانتداب، عاد الالتباس مرة أخرى حول ما إن كانت فلسطين تستحق الاستقلال تحت السيادة العربية أم إنها ستخضع لتصريح بلفور لليهود بمنحهم وطناً قومياً فيها عام 1917؟!.

ولعله من المدهش في هذا السياق أن تقع السياسة البريطانية جزئياً في دائرة الالتباس ذات حين بين الحربين.. ذلك أن الحركة الصهيونية فسرت التصريح البريطاني على إنه يضمن قيام دولة يهودية خالصة في فلسطين، بينما فسره ساسة بريطانيون منصفون نسبياً بأنه لم يعن غير إعطاء اليهود وطناً لا يصل لمرتبة الدولة، وأن هناك سكاناً غير يهود ينبغي أخذ مصالحهم بعين الاعتبار بنص التصريح وصك الانتداب.

4ـ الحيرة في تحديد العدو.. وأصل ذلك أن الكفاح الفلسطيني مر في ثلاثينات القرن الماضي وأربعيناته بحالة من الالتباس في تحديد العدو الأساسي: هل هي الحركة الصهيونية وتنظيماتها المختلفة التي راحت تنتشر في فلسطين، أم هو الانتداب البريطاني وقواته الذي يسهل قيام الوطن القومي اليهودي في البلاد وسيطرة القوى اليهودية عليها؟.

وهنا نلحظ الدور المتميز للشيخ عزالدين القسام الذي بادر إلى أمرين: أولهما تحديد العدو بالطرفين المتحالفين الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية، حاسماً بذلك الالتباس الموصول بقضية على من يلقي الفلسطينيون باللائمة وضد من يناضلون؟.

وثانيهما، التوسل بالكفاح المسلح طريقاً للتحرر والاستقلال من هذا التحالف البغيض، محاولاً بذلك حسم الجدل بشأن آليات النضال وأدواته. ويصح الاعتقاد بهذا الخصوص أن الطرف الفلسطيني لم ينفرد في حيرته والتباس الأمر عليه، فالقوى العربية بالجوار شاركته في ذلك.

إذ ناشد الزعماء العرب أشقاءهم وأبناءهم الثائرين عام 1936 بأن يعلقوا إضرابهم الكبير الشهير ويوقفوا ثورتهم بناء على الثقة في وعود «الصديقة بريطانيا». كان الزعماء إذاً يثقون في السياسة البريطانية، بما يعنى أن الدور البريطاني قد التبس عليهم وقتذاك، وهو ما رأى فيه البعض خطأ في التقدير فيما تصور آخرون أنه تواطؤ مع هذا الدور.



القضية الفلسطينية... التباسات بلا حدود (2/3)

بفعل الهزيمة في جولة 1948/ 1949 شفى الجانب العربي الفلسطيني من بعض التباسات مرحلة إرهاصات النكبة ومقدماتها.. فقد تم الاتفاق على أن العدو هو التحالف الاستعماري الصهيوني.

وزال الالتباس المتعلق بحجم قوة المشروع الصهيوني وموازين القوى معه، بعدما اتضح تفوقه في معظم المقتضيات القتالية. كذلك اختفى إلى حدٍ كبير الالتباس حول آليات الكفاح الفلسطيني والعربي، بحيث ترسخت القناعة بالنضال المسلح أداة للتحرير. وغار أيضاً الالتباس حول معنى تصريح بلفور، بعد أن صار الوطن القومي اليهودي في نص التصريح دولة ذات أركان واضحة.

أما جديد الالتباسات بعد النكبة فيمكن النمذجة له بلا حصر بالتالي:

* الالتباس في تحديد مسؤولية الهزيمة.. إذ تفرق دم النكبة بين أكثر من منطق وتفسير. فمن قائلين بأنها تقع على عاتق التقصير العربي وسوء إدارة المعركة، إلى قائلين بأنها تعود للانحياز البريطاني ثم الأميركي (والغربي عموماً) للجانب الصهيوني اليهودي، إلى قائلين بأنها تعود إلى تمزق الصف الفلسطيني وغياب قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية عن ميدان القتال، إلى قائلين بأنها مسؤولية التخلف العربي الفلسطيني والطور الحضاري المتقدم على جميع الصعد لدى الجانب الاستعماري الصهيوني.

* الالتباس بين حدود القومي العربي والوطني الفلسطيني في المواجهة.. فبفعل النكبة وتداعياتها صارت الحقيقة الفلسطينية بمختلف مستوياتها في أضعف حالاتها، وخضعت لقيود شديدة كادت تودي بها وتغيبها تماماً من المشهد السياسي والجغرافي. وبرز أكثر فأكثر مفهوم الصراع الصهيوني الإسرائيلي/ العربي. ومن حاصل الضمور الفلسطيني والتضخم القومي العربي، ولا سيما تحت قيادة الزعيم جمال عبدالناصر بشعبيته الكاسحة وحسه العروبى، ثار الالتباس بشأن الدور المنوط بكل من الفلسطينيين والعرب.

ومع أن الرأي الراجح طوال العقد التالي للنكبة كان لصالح الدور العربي القومي في مواجهة «الخطر الصهيوني المستزرع في جسد الأمة»، إلا أن بعض القوى الفلسطينية مالت إلى ضرورة تمييز العنصر الفلسطيني داخل الصراع الأشمل. وإذا كان البعض قد آمن بشعار الوحدة العربية طريق تحرير فلسطين، فقد رد آخرون بأن تحرير فلسطين هو طريق الوحدة.

وهنا يصح الاعتقاد بأن هذا الالتباس ضعف إلى حدٍ كبير وإن لم يأفل بالمرة بفعل هزيمة يونيو 1967، بحيث صعدت أولوية الدور الفلسطيني المدعوم بالظهير العربي.

والواقع أن هذه الهزيمة الأخيرة كانت مناسبة أخرى لأفول بعض الالتباسات المحيطة بالقضية الفلسطينية وإطلال رؤى ملتبسة أخرى. فلقد ثبت مثلاً لكثير من المنظومة الأفروآسيوية أن "إسرائيل" كيان عدواني توسعي، وما عاد من السهل تقبل الزعم الصهيوني بأن هذه الدولة تقع ضمن المناطق التي تحررت واستقلت بعد الحرب العالمية الثانية. وهو التباس كانت "إسرائيل" قد أنشأته وسهرت عليه بدعايتها الجبارة.

من نماذج الالتباسات التي آذنت بالأفول أيضاً كما ذكرنا فكرة أولوية القومي على الوطني وأن الوحدة العربية طريق تحرير فلسطين. بيد أن هذا التحول النسبي استتبعه نشوء وارتقاء التباس شبيه بين البعدين القومي والوطني للنضال الفلسطيني من جهة وبين البعد الديني الإسلامي من جهة أخرى. وكان هذا التطور واحداً من أبرز الالتباسات التي تعقدت بمرور الوقت إلى أن بلغت ذروة عالية بعد تبلور اتجاه التسوية الفلسطينية لاحقاً.

كذلك ضمر الالتباس المتعلق بمدى قوة "إسرائيل" مقابل الدول العربية لدى قطاعات واسعة من الرأي العام الأوروبي. وذلك بعد أن تأكدت هذه القطاعات من قدرة هذه الدولة (الصغيرة بنظرهم) على إلحاق هزيمة ثقيلة بعدد من الدول العربية واحتلال أراض شاسعة في أيام معدودات، وبالتداعي باتت صورة "إسرائيل" الحقيقية أكثر وضوحاً.

وبالتوازي والتتابع مع هذه الظواهر برزت التباسات أخرى وتعقدت بمرور الوقت. من ذلك على سبيل المثال:

1- الالتباس حول مغزى قرار مجلس الأمن رقم 242.

فقد رأى فيه العرب وسيلة لاسترداد الأرض العربية المحتلة في حرب يونيو 1967 بالكامل، بينما ذهبت "إسرائيل" إلى أنه لا يعني سوى بعض وليس كل الأراضي المحتلة في تلك الحرب. وقد عرف هذا الالتباس بالخلاف حول «أل» التعريف.

غير أن الأهم من ذلك كان الالتباس بين الدول العربية وحركة التحرر الفلسطينية التي اعتبرت لعقود أن القرار لا يعنيها، كونه يتجاهل الأبعاد السياسية لقضية اللاجئين. وبهذا الصدد التبس على الكثير الدور الذي يبقى لهذه الحركة ولهوامش حريتها في حال جرى تطبيق هذا القرار؟ وكان من تجليات هذا الالتباس الصدام الذي وقع بين القوى الفلسطينية والزعيم الراحل جمال عبدالناصر، حين وافق على مبادرة روجرز عام 1970.

فعلى الرغم من أن عبدالناصر كان تقريباً الراعي الأساسي لتلك القوى، إلا أنها لم تتفهم الأسباب التكتيكية لقبوله للمبادرة، مما أوقعها في محظور الخلاف مع قائد بقامته وكلفها الكثير في ذلك الحين.

المدهش أن توالي الأحداث، لم يؤد إلى زوال الالتباس حول معنى ومغزى القرار 242 وصلته بالحالة الفلسطينية، وذلك إلى الدرجة التي جعلت "إسرائيل" تدعي أن البند الخاص بتسوية قضية اللاجئين فيه يخص «اللاجئين اليهود» على قدم المساواة مع اللاجئين الفلسطينيين وليست قاصرة على الأخيرين وحدهم!

2- الالتباس حول حدود استقلالية القرار الفلسطيني: وأساسه أن المعاناة الممتدة من المداخلات العربية في الشأن الفلسطيني، ووجود بعض الأفكار والمقولات السلبية حول جدوى هذه المداخلات، فضلاً عن شحوب الأمل في الوحدة العربية، ساقت بعض القوى الفلسطينية إلى رفع لواء تحرير القرار الفلسطيني من السطوة العربية. غير أن هذه القوى سعت في الوقت ذاته إلى استجلاب الدعم والعون العربي على كافة الصعد، وهي تدرك بأن الإمكانات والطاقات الفلسطينية لا يسعها وحدها تحقيق الأماني الوطنية ومنازلة التحالف الاستعماري الصهيوني.

والحال أن تعارضاً ما قد ظهر ما بين الغلو الفلسطيني في موضوعة القرار المستقل وبين الحاجة الفلسطينية للدعم العربي. كما أن الإصرار على استقلالية القرار الفلسطيني بالمطلق ووجه برغبة أطراف عربية باستقلالية قرارهم في غمرة الصراع والتسوية مع "إسرائيل"، مما أثار أحياناً الامتعاض الفلسطيني وأنتج مشكلات مع هذه الأطراف.

ونحسب أن هذا التعارض يمثل أحد أوجه الالتباس المزمن حول حدود الوطني والقومي في مواجهة الغزوة الصهيونية الاستيطانية، الذي يمكن تعليله بالافتقاد لاستراتيجية عربية (أو فلسطينية عربية) شاملة لإدارة الصراع والتسوية مع هذه الغزوة.

3- الالتباس حول جغرافية الكفاح الفلسطيني.. ومؤداه أن بعض القوى الفلسطينية اعتقدت في ضرورة مطاردة أهداف العدو الصهيوني أينما وجدت.

وهو ما قادها إلى توسيع جغرافية نضالها المسلح خارج فلسطين والمنطقة العربية، فيما عرف بالعمليات الخارجية. وكان ذلك مدعاة إلى تلصص الالتباس الخاص بربط الكفاح الوطني الفلسطيني بالإرهاب الدولي من قبل أن تقع أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة بكثير.

ففي ذلك الحين من نهاية ستينات القرن العشرين وسبعيناته أثارت الدعاية الصهيونية الإسرائيلية والرأي العام الأوروبي والأميركي بخاصة هذا الالتباس وحرضت عليه بهدف تشويه صورة الفلسطينيين العامة والتغطية على طبيعة حركتهم الوطنية. وعلى الرغم من توقف العمليات الخارجية الفلسطينية كلياً، إلا أن تلك الدعاية استمرت في مزاعمها.. وكانت أحداث سبتمبر مناسبة لإعادة التوكيد على أن النضال الفلسطيني ما هو إلا نوع من الإرهاب.

4- الالتباس بشأن التسوية السياسية.. فبعيد حرب أكتوبر 1973 جوبه الفلسطينيون بتحركات دولية (أميركية بخاصة) عربية، محورها تلمس سبل التسوية السياسية للصراع الإسرائيلي العربي. وجرت بهذا الخصوص حوارات ونقاشات فلسطينية واسعة. وهنا ثارت المخاوف من إمكانية وقوع تسوية أو تسويات عربية إسرائيلية في غياب الطرف الفلسطيني إذا ما استمر في التمسك بالحد الأقصى لأهدافه.

وأفضت النقاشات إلى إعلان القبول بإنشاء سلطة وطنية فلسطينية على أي أرض فلسطينية تستعاد أو تنسحب منها "إسرائيل". وكان موضع الالتباس في هذا السياق هو احتمال تحول هذا الهدف التكتيكي إلى هدف استراتيجي. فقد رأى البعض أن هذا التحول ينطوي على تنازل ستتبعه تنازلات أخرى تقدمها الثورة الفلسطينية مجاناً لأن شيئاً مقابلاً لم يعرض عليها أصلاً.

وقد ظل المقصود بمفهوم السلطة الوطنية ومقاصدها قضية خلافية وملتبسة في الأدبيات السياسية الفلسطينية لفترة طويلة، لم يحسمها حتى اتفاق أوسلو الذي أقام هذه السلطة بالفعل.. إذ استمر هناك من يراها مجرد خطوة تكتيكية فيما رآها آخرون محطة شبه نهائية للكيان الفلسطيني.



القضية الفلسطينية.. التباسات بلا حدود (3/3)

ربما كانت الرؤى الملتبسة المرتبطة باتفاق أوسلو وتوابعه شكلاً وموضوعاً الأخطر والأكثر تأثيراً على مجرى القضية الوطنية الفلسطينية ومصير حركة التحرر الفلسطيني منذ بدايات النكبة. فقد آذنت اتفاقات أوسلو وتوابعها بتعميق بعض التباسات أخرى تحتاج معالجتها جهوداً مضنية.

من أبرز الالتباسات التي لم تضع لها معطيات مرحلة أوسلو حداً أو حلاً، تلك المتعلقة بالحدود الفاصلة بين ما هو وطني فلسطيني وما هو عربي قومي وما هو حضاري عربي إسلامي في مقاربة قضية فلسطين.

لقد كانت أوسلو من حيث الشكل والمضمون عملاً فلسطينياً وطنياً، يمثل أحد تجليات استقلالية القرار الفلسطيني. غير أنه لكي يمر هذا العمل ويطبق فعلياً، ظل بحاجة إلى مداخلات عربية وربما إسلامية. فقضية اللاجئين مثلاً، تتصل بالسياسات والمواقف العربية.

فيما قضية مستقبل القدس ترتبط بأحانين ووشائج عربية وإسلامية، لا يسهل تجاهلها من لدن المفاوض الفلسطيني بذريعة استقلالية القرار.. ويقال إن مراعاة هذه المعطيات التاريخية والسياسية قد أثرت بقوة على مواقف هذا المفاوض. وبشيء من التأمل قد يلحظ المرء مدى الالتباس المتأتي من هذا التداخل بالنسبة للأطراف المعنية عربياً وإسلامياً.

وليس بلا مغزى أن يلحظ البعض ما نال هذا الالتباس من تجذير وتعميق بفعل صعود قوى التيار الإسلامي في العملية السياسية وصناعة القرار الفلسطيني. وذلك بالنظر إلى أن هذه القوى تبدو كأنها تقدم الإسلامي على الوطني أحياناً في معالجتها للقضية الفلسطينية. أنها ترى أن فلسطين أرض وقف إسلامي لا يجوز التنازل عنها إطلاقاً..

وهذا موقف سياسي ديني يثير اللبس حول صحة المساومة على قيام دوله فلسطينية في مقابل التسليم بدولة "إسرائيل" على جزء مغتصب من هذه الأرض؟، وربما يثير تساؤل البعض حول السبب الذي يجعل دولاً عربية وإسلامية تعترف ب"إسرائيل" وتسالمها وتعاهدها طالما أنها تقوم على هذا الاغتصاب؟، وما الذي يجعل الفلسطينيين يدفعون وحدهم ثمن التمسك بإسلامية أرض فلسطين دون سائر العرب والمسلمين؟.

ونرجح أن ثاني أكثر الالتباسات ديمومة وعمقاً في هذه المرحلة هو ذلك المرتبط بالخلط الاستعماري الصهيوني بين المقاومة المشروعة والإرهاب المدان. والحق أن إسباغ سمات الإرهاب على حركات التحرير والمقاومة من أقدم سلوكيات القوى الاستعمارية. وقد وصف التاج البريطاني رغبة الولايات الأميركية في التحرر منه إبان النصف الثاني من القرن الثامن عشر بالإرهاب!.

من المعروف أن هذه المفارقة سابقة على مرحلة أوسلو. لكن جديد هذه المرحلة أساساً هو إجبار التحالف الأميركي الإسرائيلي لبعض القوى الدولية، كالأوروبيين، على محاكاتهم في هذا الخلط، بل وإيقاع بعض القوى العربية والفلسطينية فيه. وعلى ذلك تبلور التباس لدى قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي حول مدى صدقية اتجاه المقاومة الفلسطينية وبعدها عن محظور الإرهاب.

وقد ساعدت على هذا التبلور وتصعيده عوامل بعينها: كالدعاية الصهيونية التي سعت لمد خيوط الغضب الأميركي والدولي الواسع من أحداث الحادي عشر من سبتمبر إلى المقاومة الفلسطينية، بحسبها تقع ضمن دائرة الأفعال الإرهابية ذات الطابع العربي الإسلامي. وكون المتهمين بأحداث سبتمبر من العرب والمسلمين (شأن المقاومة الفلسطينية!).

وميل قوى عربية وفلسطينية إلى إدانة المقاومة المسلحة والتركيز على التفاوض أو المقاومة السلمية كبديل وحيد لتحصيل الحقوق. ولقد تعامد هذا الالتباس مع رؤية رديفة له ووثيقة الصلة به، حاولت التمييز بين معسكر وسم بالاعتدال وبين معسكر وسم بالتطرف.

وفقاً لذلك أصبح كل من يدعو للتسوية السلمية والمقاومة المدنية السياسية اللاعنفية نصيراً للاعتدال، فيما صنف كل من يسعون لانتزاع الحقوق بالعنف والتسوية السلمية معاً؛ الممانعون للهيمنة الأميركية دولياً والإسرائيلية إقليمياً؛ الرافضون لقضية التسوية المفروضة بمعزل عن الشرعية الدولية، كقوى متطرفة.

وقد يلفت الانتباه أن واشنطن تحت إدارة المحافظين الجدد بزعامة جورج بوش الابن، رفعت شعاري التطرف والاعتدال، فيما تعد هي من أكثر الإدارات الأميركية إثارة للحروب والغزوات الخارجية بمبررات واهية أو حتى بلا مبررات.

بمعنى أن رواد دعوة الاعتدال والتسويات السلمية، بما فيها التسوية الفلسطينية، هم الذين سهروا على إثارة سلسلة من الحروب الصريحة (العدوانية) ضد أفغانستان والعراق ويهددون بإشعال حرب أخرى ضد إيران، وذلك في الوقت الذي ينكرون فيه حق المقاومة ويحاولون حذفه من قاموس العلاقات الدولية تحت شعار محاربة الإرهاب والتطرف.

وهكذا فإنهم يسعون إلى «اعتداءات بلا مقاومة»، الأمر الذي لم يحدث على مدار التاريخ الإنساني وتفاعلات العلاقات الدولية أبداً. وربما كان أكبر التباسات ما بعد أوسلو وأكثرها وطأة على الحسابات والمواقف الخارجية الدولية (بما فيها العربية والإسلامية نسبياً) تجاه القضية الفلسطينية، هو ذلك الذي نجم عنه عملية أوسلو ذاتها. فهذه العملية، بالموكب السياسي الإعلامي الدعائي الذي صاحبها وتبعها وتابعها، أدخلت في روع البعض أن فلسطين قد استقلت بالفعل، أو هي قاب قوسين من الاستقلال والتحرر وإعلان الدولة وإسدال الستار على الحالة النضالية الفلسطينية طالما أنها حققت أهدافها!.

في الحد الأدنى، أدت عملية أوسلو إلى إثارة بلبلة واسعة النطاق محورها السؤال هل استقلت فلسطين أم لا؟. أما في الحد الأقصى، فإن هناك من تصور بأن الشعب الفلسطيني بلغ مراده وآماله، وأنه لم يبق أمام حركته الوطنية المفاوضة سوى بعض التفصيلات والأمور الشكلية التي ستجد حلولها عبر الأدوات التفاوضية، ولا تحتاج غير قليل من الجهد والوقت والوساطات والمداخلات والتنازلات المتبادلة مع "إسرائيل".

وفضلاً عن إجراء الصخب السياسي الإعلامي والاحتفاليات التي ارتبطت بكل اتفاق إسرائيلي فلسطيني، مهما بلغت أصداؤه وجدواه الاستقلالية من محدودية، فقد ساعدت على تكريس هذا الالتباس محددات أخرى منها:

* المبالغة الفلسطينية في إبراز الرموز والمسميات المقترنة عادة بمظاهر استقلال الدول وسيرورتها مثل: الرئيس والرئاسة؛ الوزارة والوزراء؛ السفارات والسفراء؛ المسميات العسكرية والأمنية المتداولة في الدول المستقلة ذات التنافس على الألقاب والمناصب..

ويبدو أن الإيغال في هذه القضايا الشكلية انطلق من القناعة بأنها ستتحول بمرور الوقت إلى إقناع المعنيين بجدارة الفلسطينيين باستحقاق الدولة والعدول عن زمن الرمزية الثورية، وستقنعهم بأن الحركة الوطنية الفلسطينية ماضية على طريق الاعتدال والتطور الطبيعي للدول.

* الدور الإسرائيلي في الترويج لعملية التسوية ومخرجاتها وكيف أن "إسرائيل" تغذي السير مع الفلسطينيين على طريق السلام. وكان الهدف من ذلك ومازال فك عزلة هذه الدولة. مسارعة بعض الأطراف العربية إلى ترطيب المواقف من "إسرائيل" والتقدم باتجاهها سلمياً مع الاضطلاع ببعض الخطوات التطبيعية.

ينبغي الاعتراف بأن هذا الالتباس قد حقق مكاسب سياسية واقتصادية ومعنوية كبيرة للطرف الإسرائيلي. وذلك بحسبه دفع قوى دولية إلى وصل ما انقطع في علاقتها بهذا الطرف أو أسس لإنشاء علاقة معه من العدم.

كما أنه أدى إلى تحسين صورة "إسرائيل" دولياً ونقلها لدى بعض الدول والمنظومات من خانة الدول العدوانية الاستعمارية إلى مربع الدول المعتدلة المحبة للسلام. هذا ونحوه بدون عوائد حقيقية للطرف الفلسطيني ومن غير أن تستقل فلسطين بالفعل أو تتحرر.

الشاهد أن الأدبيات والسياسات الفلسطينية والعربية أفرطت في التعامل مع رؤى ومفاهيم مثيرة للمفارقات والالتباس. ولعل ما أوجزنا حوله في هذا الجهد ما هو إلا قليل من كثير على هذا الصعيد. وإذا ما مضينا في التحري والاستقصاء، فسوف نحصل حتماً على المزيد، لاسيما بالنسبة لتداول مجموعة من المفاهيم والمسميات المعبرة عن ظواهر ومعطيات فلسطينية ذات طبيعة مزدوجة، توقع المعنيين في حيرة واضحة..

هناك مثلاً، منظمة التحرير في مقابل السلطة الوطنية؛ المجلس الوطني مقابل المجلس التشريعي؛ السلطة مقابل المقاومة؛ رام الله مقابل غزة... إن ثنائيات كهذه لا تبدو مفهومة ولا مبررة سوى للقريبين جداً من شؤون الفلسطينيين وشجونهم والعارفين بمؤسساتهم.

وهي لدى غير هؤلاء أمور غامضة وملتبسة ليس من اليسير تبصر كهنها. كذلك فإن مفاهيم من قبيل الأمن القومي والأمن الوطني والرئاسة والوزارة والأغلبية والأقلية قد لا تكون مفهومة لدى غير المتصلين بهذه الشؤون والشجون، لأن المعلوم بالضرورة والسوابق أن هذه المفاهيم مرتبطة بالكيانات والدول المستقلة.

وبالطبع قد لا يملك الفلسطينيون ولا العرب طاقة الاضطلاع بتوضيح دلالات ومعاني كل ما يستخدمونه من مفاهيم لكل قطاعات الرأي العام ولا حتى لكل المهتمين بقضية فلسطين، وهذا أمر ينبغي الانتباه له والتنويه إليه

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق