الأحد، 14 مارس 2010

الإخوان المسلمون واليهود 1

عاش اليهود في مصر كأقلية مثل باقي الأقليات، وكان لها كل الامتيازات التي جعلت منها أقلية ثرية؛ فقد سيطرت على مجريات الأمور السياسية والاقتصادية، وأصبح رموزها في مكانة اجتماعية.

وعندما أنشأ الإمام البنا جماعة الإخوان المسلمين عام 1928م تعامل مع الوضع بما تمليه عليه شريعة الدين؛ فقد كان يعاملهم من باب نظرية "لهم ما لنا وعليهم ما علينا"، إلا أنه في وقت أن أصبح بعض اليهود يساعدون الصهيونية العالمية على اغتصاب فلسطين انتفض يشكو الأمر للملك وحاخام اليهود في مصر.

لقد استخدم اليهود وسائل ليست وليدة اللحظة، وإنما ممتدة أبد التاريخ الحديث؛ فاحتلال مصر لم يكن إلا على أيدي المرابين اليهود الذين أدانوا الخديوي إسماعيل وتوفيق ومن قبلهم، كما أنهم ألحُّوا على سعيد الأول بالربا والديون الفاحشة حتى استدان من اليهود 11 مليونًا و160 ألف جنيه، ثم استدان إسماعيل أكثر من 50 مليونًا من الجنيهات، وبلغت فوائد الديون 68?،


ومن الذين أقرضوا الخديوي: أوبنهايم، وروتشيلد، وجورش، وفرهلنج، وكلهم يهود فرنسيون، ووصل أن ارتهن اليهود مديرية الشرقية ومديرية البحيرة ومديرية القليوبية وعوائد الكباري ومصائد الأسماك وجمرك الإسكندرية وجمرك القاهرة والملاحات و300500 فدان من الأطيان،


وقد ذكر القنصل الأمريكي السير "ولفردلوسون" اليهودي الإنجليزي في مجلس العموم قائلاً: نحن زدنا دين مصر إلى أكثر من 100 مليون جنيه، ولقد قتلنا آلافًا من سكان مصر، وشللنا حركة المجلس النيابي بمصر، وغرسنا في البلاد أنواع الفجور والفسق، ولقد قضينا على هذا الشعب المصري بتقييده بالديون والضرائب، وقتلنا تلك الروح الاستقلالية التي وُلدت بالشرق وعلى الخصوص بمصر.

اليهود في فكر الإمام البنا

لقد ندد باليهود الذين يعملون على اغتصاب فلسطين، واشتملت كتاباته عل بعض هذه الأمور؛ فكان يعرِّف الناس من خلال كتاباته طبيعة اليهود وما تنطوي عليهم شخصيتهم؛ فيقول: اليهود في التاريخ الحاضر هم أبناء آبائهم، أخلاس فتنة، ومواقد شرور، وطعام ثورات، ولقاح دسائس؛ فما من فتنة في دولة ولا ثورة في أمة إلا وجدت الأصابع اليهودية من ورائها، تمدها بالوقود، وتعمل على شدتها ومضاعفة أثرها، كأنما يريد هذا الشعب أن يثأر من الدنيا كلها لعزته التي أضاعها عناده، وكرامته التي اهتدرتها ماديته، وما ظلمهم "الناس" ولكن أنفسهم يظلمون.

أمعِن النظر فى التاريخ الحديث ترى روسيا وبولونيا وألمانيا وأمريكا وغيرها من دول العالم تضجّ من دسائس اليهود وتلاعبهم بسياستها؛ حتى دعا ذلك الألمانيين إلى هذا الموقف الغريب من الجنس اليهودي، ومن طالع كتاب "اليهودي المتمول" لـ"فورد" رأى من ذلك الشيء الكثير.

وقد ضاعف هذا الشر في المزاج اليهودي أنه لا يقيم للفضيلة وزنًا؛ فكل همه أن يجمع المال كيفما كان، ولو دفع ثمن هذا الجمع من الفضيلة والشرف، وباع في سبيله مبادئ الأخلاق العالية؛ ولهذا أثروا وافتقر بثرائهم الناس، وتجمع لديهم الذهب الذي يعينهم على قضاء مآربهم، وتحقيق مطامعهم وتلاعبهم بعقول الساسة، وإحباطهم لجهود المصلحين، والفضيلة في بعض صورها قيد للفاضل، وإن كان أحلى من الحرية وأعذب من الانطلاق.

لقد ضجَّت كل دولة من دول العالم على سعة أرضها وغناها وثروتها من قسم من هذا الجنس قد لا يتجاوز بضعة آلاف؛ فكيف تستطيع فلسطين ضيقة الرقعة المحدودة الموارد أن تتحمل وحدها شرور هذا الجنس كله مجموعًا من آفاق الأرض؟ إلا أن تكون إنجلترا أرادت أن تعتبر فلسطين جوف القنبلة، لا تزال تحشوه بالبارود والديناميت، وليس بعد ذلك إلا أن تنفجر فيتطاير في كل ناحية من نواحي الشرق شظية من شظاياها، وتكون أول ضحية لهذه الشظايا مصالح الإنجليز أنفسهم.

إن اليهود في فلسطين خطر داهم على سياسة الشرق العامة؛ لأن فلسطين قلب الشرق النابض، وموطن مقدسات مسلميه ومسيحييه على السواء، ودسائس اليهود السياسية غير منكورة، مطامعهم في الوطن القومي غير محصورة؛ فهم لا يقتصرون على فلسطين، ولكنهم سيحيفون الأرض من كل جانب، وخطر داهم على وحدة العرب في الشرق؛ لأنهم لا يعيشون إلا في جو التفريق، ولا يحلو لهم الطرب إلا على نغمات الشقاق، وخطر داهم على أخلاق الشرق؛ فهم قوم خُلُقهم المال، باعوا من قبل آيات الله بثمن قليل، ولا يزالون يبيعون الأخلاق بثمن بخس.

اسمعوا أيها الصهيونيون: لقد أسأتم إلى العالم كله، وأجرمتم في حق الأمم جميعًا، وإنا ندعوكم إلى التوبة ولا نعاملكم بغير شريعة التوراة؛ فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم، وأريحوا العالم من ويلاتكم "ذلكم خير لكم إن كنتم تعقلون".

هذا شطر الآية، وله بقية عن عداوة الذين أشركوا، نعلم تفسيرها في بيان المستر غاندي عقب إسلام ابنه "عبد الله"؛ ذلك البيان الذي يفيض بالحنق والغيظ، ويرمي بالعداوة والشرر، وشطر الآية الثاني عن المؤمنين في الحبشة المعاصرة للبعثة، وكيف وجدوا من ملكها وبطانته رقةً في القلوب، واستعدادًا في الأرواح وحماية المبادئ (العدل والإنصاف) التي كفرت بها أوروبا في هذا العصر، ولعلنا نتحدث عن ذلك في فرصة أخرى.

وبعد.. أفليس من صور الإعجاز الخالد أن يتحدث القرآن الكريم قبل ألف وثلاثمائة سنة وأكثر عن قضيتي العالم في هذا العصر، ويجمعهما في التلاوة من قبل كما اجتمعتا في الحدوث من بعد (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِى الآَفَاقِ وَفِى أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ) (فصلت: 53).

ولقد أرسل المرشد العام برسالة إلى "حايم ناحوم" حاخام الطائفة اليهودية وحضرات كبار مواطنينا الأعزاء أفراد الطائفة اليهودية برسالة جاء فيها:

تحية طيبة مباركة.. وبعد:

فقد قرأت بجريدة (أخبار اليوم) وجريدة (الزمان) أمس أن الحكومة المصرية قد أخذت التدابير اللازمة لحماية ممتلكات اليهود متاجرهم ومساكنهم.. إلخ؛ فأحببت أن أنتهز هذه الفرصة لأقول إن الرابطة الوطنية التي تربط بين المواطنين المصريين جميعًا على اختلاف أديانهم في غنى عن التدبيرات الحكومية والدولية والحمايات البوليسية.

ولكن ونحن الآن أمام مؤامرة دولية محكمة الأطراف؛ تغذيها الصهيونية لاقتطاع فلسطين من جسم الأمة العربية، وهي قلبها النابض، وأمام هذه الفورة الغامرة من الشعور القومي المتحمس في مصر وغير مصر من بلاد العروبة والإسلام، لا نرى بدًّا من أن نصارح سيادتكم وأبناء الطائفة اليهودية من مواطنينا الأعزاء بأن خير حماية وأفضل وقاية، هي أن تتقدموا سيادتكم ومعكم وجهاء الطائفة فتعلنوا على رؤوس الأشهاد مشاركتكم لمواطنيكم من أبناء الأمة المصرية مشاركةً ماديةً وأدبيةً في كفاحها القومي الذي اتخذوه مسلمين ومسيحيين لإنقاذ فلسطين،


وأن تبرقوا سيادتكم قبل فوات الفرصة لهيئة الأمم المتحدة وللوكالة اليهودية ولكل المنظمات والهيئات الدولية والصهيونية التي يهمها الأمر بهذا المعنى، وبأن المواطنين الإسرائيليين في مصر سيكونون في مقدمة من يحمل علم الكفاح لإنقاذ عروبة فلسطين.

يا أصحاب السيادة:

بذلك تكونون قد أديتم واجبكم القومي كاملاً، وأزلتم أي ظل من الشك يريد أن يلقيه المغرضون حول موقف المواطنين الإسرائيليين في مصر، وواسيتم الأمة العربية كلها والشعوب الإسلامية في أعظم محنة تواجهها في تاريخها الحديث، ولن ينسى لكم الوطن والتاريخ هذا الموقف المجيد.

وتفضلوا بقبول احتراماتي وتحياتي.

الإخوان واليهود

ولقد رصد الإخوان مجموعةً من ممارسات اليهود في مصر، والتي تشير إلى بُعد اليهود عن المجتمع المصري، ومنها:

- اتخاذ يهود مصر العلَم الصهيوني شعارًا لهم يرفعونه في أحيائهم وعلى محالهم التجارية أيام أعيادهم وعطلتهم.

- اتخاذ اليهود اللغات الأجنبية لغة لهم، وبها تصدر صحفهم ومجلاتهم ويفضلونها عن اللغة العربية.

- كشافو المدارس اليهودية يكتفون بكتابة اللغة العبرية على ألبستهم، ويضعون العلم الصهيوني على (برانيطهم) ولا يرتدون الطربوش الذي يرتديه المصريون.

- لليهود في مصر عدة صحف تصدر باللغة الفرنسية وغيرها من اللغات، وتعبر عن آرائهم مثل "البورص إجيبسيان- الأورور- إسرائيلي"، وغيرها من الصحف، وهي آلة من آلات الصهيونية.

- لليهود في مصر شركة وكالة الشرق للبرقيات، وهي وكالة تعمل للقضية الصهيونية.

- لليهود في مصر شركة الإعلانات الشرقية، وتساوم هذه الشركة الصحف بإعطائها الإعلانات مقابل وقف الحملة ضد الصهيونية.

- لليهود بمصر نوادٍ مستقلة وتشكيلات خاصة بهم؛ تحمل أسماء صهيونية مثل المكابي وغيرها.

كما أن الإخوان ندَّدوا عبر صحفهم بما يقوم به اليهود من أعمال وتصرفات ونشر للأخلاق الفاسدة وسط المجتمع المصري.

اعتبر الإخوان منذ البداية أن القضية الفلسطينية من قضاياهم المصيرية؛ لأنها من قضايا الأمة الأساسية، وأي فئة أو قوى تتخلى عن القيام بواجبها تجاه هذه القضية فهي تفرِّط في الثوابت الإسلامية، فضلاً عن القومية، وطالب الإخوان من الطائفة اليهودية في مصر التبرؤ مما تفعله الحركة الصهيونية على أرض فلسطين، إضافةً إلى عدم مساعدة الصهيونية في مصر أو في غيرها.

لكن عددًا كبيرًا من يهود مصر تورَّطوا في مساندة الصهيونية والدعاية لها وجمع التبرعات من أجلها؛ فقد اهتمت المنظمة الصهيونية العالمية بالنشاط الصهيوني في مصر، وبدأت منذ صيف 1943م بإرسال مبعوثين إلى القاهرة للعمل على تنشيط الحركة الصهيونية، وقد سهَّلت قوات الاحتلال البريطاني في مصر عمل هذه البعثات، والتي كانت تهدف إلى جمع الأموال من اليهود في مصر وسرعة إرسالها إلى فلسطين، والتركيز على القطاع الشبابي اليهودي.

وفي يناير 1945م انعقد المؤتمر الصهيوني الأول ليهود مصر في الإسكندرية بعد الحصول على موافقة السلطات المصرية، وتم انتخاب يعقوب وايزمان رئيسًا للجنة التنفيذية الصهيونية في مصر.

وقد اهتم الاتحاد الصهيوني بتوجيهات من قيادته في القدس بتنشيط جمع الأموال للصناديق اليهودية؛ عن طريق اللجان التي تشكلت في القاهرة والإسكندرية، وبالفعل فقد تم جمع مبلغ 100 ألف جنيه مصري عامي 1943 و1944م، وتم نقلها سرًّا إلى المنظمة الصهيونية ومؤسساتها في فلسطين، كما اتخذ التجار اليهود قرارًا بعدم إعطاء إعلانات صحفية عن محالهم للجرائد التي تتحامل على الصهيونية.

واعتبر الإخوان أن اليهود المصريين بذلك قد برهنوا بما لا يدع مجالاً للشك أنهم ليسوا من الأمة المصرية في شعورها نحو إخوانهم في فلسطين، في الوقت الذي يؤيد فيه الشعب المصري بكافة فئاته وعلى رأسه جلالة الملك الفلسطينيين، والإخوان لا يقنعون بأن اليهود يرعون حق مصر والمصريين إلا إذا أعلنوا انسحابهم من الحركة الصهيونية، واستنكارهم لمطامع اليهود السياسية بألسنتهم وأعمالهم، وأن يؤيدوا مطالب عرب فلسطين.

---------

للمزيد راجع:

1- جمعة أمين عبد العزيز-أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، دار التوزيع والنشر الإسلامية.

2- شركة البصائر للبحوث والدراسات، من تراث الإمام البنا، دار التوزيع والنشر الإسلامية.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق