الأحد، 14 مارس 2010

الإخوان المسلمون واليهود (2)


نشرنا في الحلقة السابقة علاقة الإخوان باليهود المصريين، وكيف كانت العلاقة قائمة، وكيف تحوَّرت مع تحوُّر القضية الفلسطينية، وكيف كان اليهود وطبائعهم التي غلبت على مصريتهم ومساعدتهم للصهيونية العالمية على اغتصاب فلسطين، وهذه الحلقة نفردها لتوضيح علاقة اليهود بانتشار الشيوعية داخل مصر، وغايتهم من ذلك، وأيضًا لمواقفهم ضد فلسطين منذ وعد بلفور.

وإن شاء الله في حلقة لاحقة نفرد الأمر لدورهم في معاونتهم الصهيونية ودورهم في جمع المال وتهجير اليهود من كل مكان إلى فلسطين، ثم هروبهم إلى الكيان الصهيوني بعد أن قام عام 1949م، وكيف تقلد منهم مناصب عالية في الدولة اليهودية، أمثال الفنانة رقية إبراهيم، والتي أصبحت مندوب دولة اليهود في الأمم المتحدة.

دور اليهود في انتشار الشيوعية

انتبه الإخوان مبكرًا إلى أن اليهود سيطروا على اقتصاد البلاد، ومن ثم تدخلوا في السياسة المصرية، وظل الوضع كذلك في ظل الاحتلال، حتى اندلعت الثورة البلشفية في روسيا عام 1917م وظهور لينين بفكره الشيوعي فتبناه اليهود في كل مكان.

ويرجع بداية العمل الشيوعي في مصر إلى نهاية الحرب العالمية الأولى, عندما بدأت بعض العناصر الأجنبية بالإسكندرية بنشر الفكر الشيوعي تحت إشراف جوزيف روزنتال.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية تبنَّى شباب اليهود المصريين أمثال هنري كوربيل ومارسيل إسرائيل حركة الشيوعية في مصر، وكانوا جميعًا ينتمون للطبقة البرجوازية الكبيرة ذات الثقافة الأجنبية, ولقد تساءل الدكتور رءوف عباس عن كيفية أن يتبنى اليهود هذه الحركة تحت مسمى الدفاع عن الفقراء وهم أساسًا من طبقة غنية، وما الهدف من ذلك، وماذا كانوا يرمون إليه من عملهم هذا.

كما كون هلل شوارتز تنظيم " أسكرا" وأصدر فيما بعد جريدة (الجماهير), كما كوَّن مارسيل إسرائيل تنظيم "تحرير الشعب", وكان أصحاب هذه التنظيمات يميلون للثقافة الفرنسية, وكان الاختلاف هو السمة البارزة بينهم.

وعملت الحركة المصرية للتحرر الوطني على ضم المصريين دون أخواتها من المنظمات الشيوعية الأخرى، ولقد أنفقت الأموال الكثيرة على قسم النشر والمجلات العلنية والنشرات السرية.

وكان تعداد اليهود في مصر بعد الحرب العالمية الثانية، (64484 نسمة), ولقد استوطنوا القاهرة والإسكندرية وعواصم الأقاليم, وتمركز معظمهم في أحياء الظاهر وعابدين ومصر الجديدة وقصر النيل والجمالية والأزبكية والموسكي وباب الشعرية والوايلي، وهي الأحياء التي تسيطر على النشاط التجاري والمالي والخدمات, وتعد من أهم أحياء المدينة.

وأدرك اليهود أن الاستثمار والثراء الفاحش والسيطرة على معظم النشاطات الاقتصادية هي أهم مقومات النجاح؛ فنجدهم في عام 1920م ينشئون البنك التجاري المصري وبنك موصيري عام 1935وبنك سوارس عام 1936م بالإسكندرية, كما أنهم امتلكوا الشركات المالية، كالشركة المصرية الفرنسية للتسليف، والتي أنشئت عام 1934م, وشركة التأمين الأهلية المصرية، والتي أسسها أصلان قطاوي عام 1900م، كما امتلكوا كبرى المحلات، كشيكوريل وبنزيون وعدس.

كما امتلكوا الصحف التي عبَّرت عن وجهة نظرهم، مثل صحيفة (الشمس) والتي صدرت عام 1934م وتوقفت عام 1948م، وكان صاحبها سعد يعقوب مالكي، وكانت هذه الصحيفة لسان حال الصهيونية في مصر, كما أصدورا صحيفة (الكليم) في فبراير 1945م وكان صاحبها يوسف كمال.

كان هذا هو حال اليهود في مصر، وهذا يدفعنا إلى أن نوافق الدكتور رءوف عباس الرأي في كينونة الأسباب التي دفعت اليهود خاصةً إلى تبني الحركة الشيوعية في مصر والعمل من أجلها، وأيضًا الأسباب التي دفعت هذه الحركات الشيوعية مثل حركة حدتو إلى أن تعترف بالكيان الصهيوني من أول لحظة مثلما اعترفت به أمريكا وروسيا.

كما يدفعنا ذلك إلى التساؤل عن الأهداف الذي نشأت من أجلها هذه الحركات، ومدى استمراريتها حتى بعد طرد هنري كورييل من مصر، وأيضًا دورها في الستينيات والسيطرة على الثقافة والإعلام وعملها تحت مسميات أخرى أكثر إغراءً للشعب الذي لا يدرك طبيعة هذه الحركات، ودورها في الحركات اليهودية في كل مكان وخدمتها.

ولقد كتب مصطفى الرفاعي اللبان سلسلة مقالات تحت عنوان: "خطر اليهود في مصر"؛ كشف فيها عن مدى السيطرة اليهودية على مختلف جوانب الحياة الاقتصادية المصرية، وتغلغلها في جميع الأنشطة المالية، وسيطرتها على البنوك والمصارف، وعن المنظمات الماسونية وجذورها وأهدافها الصهيونية، وعن الشيوعية ومدى علاقتها وارتباطها بالصهيونية.

السيطرة على فلسطين

وتورَّط عدد كبير من يهود مصر في مساندة الصهيونية والدعاية لها وجمع التبرعات من أجلها؛ فقد اهتمت المنظمة الصهيونية العالمية بالنشاط الصهيوني في مصر، وبدأت منذ صيف 1943م بإرسال مبعوثين إلى القاهرة للعمل على تنشيط الحركة الصهيونية، وقد سهَّلت قوات الاحتلال البريطاني في مصر عمل هذه البعثات، والتي كانت تهدف إلى جمع الأموال من اليهود في مصر وسرعة إرسالها إلى فلسطين، والتركيز على القطاع الشبابي اليهودي.

وفي إطار التركيز على الشباب تكوَّنت ثلاث منظمات شبابية: الأولى: الطلائعي الشاب، وكانت كوادرها الأساسية من أندية المكابي، وتبعتها حركة الكشافة المصرية اليهودية، وكانت حاصلة على ترخيصٍ من وزارة الشئون الاجتماعية في مصر، وبلغ عدد أعضائها عام 1944م حوالي 500 عضو، والثانية هي العبري الشاب، وبلغ عدد أعضائها عام 1943م من 500: 600عضو، والثالثة هي مجموعة بني عقيبا، وكان عدد أعضائها يتراوح بين 120: 150عضوًا، هذا غير التنظيم الشبابي التابع للمنظمة الصهيونية الجديدة في مصر، والتي أنشأها ألبير شترا سلكي، وكان عدد أعضائها 100عضو حتى عام 1944م.

وفي يناير 1945م انعقد المؤتمر الصهيوني الأول ليهود مصر في الإسكندرية بعد الحصول على موافقة السلطات المصرية، وتم انتخاب يعقوب وايزمان رئيسًا للجنة التنفيذية الصهيونية في مصر، والتي ضمت 40 عضوًا آخرين من مجلس الطائفة في القاهرة والإسكندرية، وقد اهتم الاتحاد الصهيوني بتوجيهات من قيادته في القدس بتنشيط جمع الأموال للصناديق اليهودية عن طريق اللجان التي تشكَّلت في القاهرة والإسكندرية، وبالفعل فقد جُمِعَ مبلغ مائة ألف جنيه مصري عامي 1943 و1944م، ونُقِلَ سرًّا إلى الكيان الصهيوني، كما اتخذ التجار اليهود قرارًا بعدم إعطاء إعلانات صحفية عن محالهم للجرائد التي تتحامل على الصهيونية.

واعتبر الإخوان أن اليهود المصريين بذلك قد برهنوا بما لا يدع مجالاً للشك أنهم ليسوا من الأمة المصرية في شعورها نحو إخوانهم في فلسطين، وعندما نشرت الصحف اليومية أن يهود مصر تبرَّعوا بمبلغ 5 آلاف جنيه في أسبوع لمساعدة يهود فلسطين، اعتبر الإخوان أن ذلك تحديًا لإرادة الأمة، وكتب الأستاذ عمر التلمساني يقول: إن الإخوان طالما حذَّروا الطائفة اليهودية من الانغماس في سوءات الصهيونية الشائنة التي تريد إنجلترا فرضها على أرض فلسطين، وطالما نبهوهم على أن يعرفوا أنهم مصريون قبل كل شيء، وقد وجد اليهود في مصر- مع أنهم أقلية- من كرم الضيافة وطيب الإقامة ما لم يجده غيرهم، وقد استنكر الإخوان على اليهود فعلتهم هذه.

ولقد طالب الإخوان اليهود بأن يعلنوا غير ذلك وأن يتبرءوا من الصهيونية وأفعالها، وإن لم يفعلوا فسوف يعمل الإخوان على مقاومة الإنجليز واليهود في مصر وفي فلسطين.

وكان من المؤسسات اليهودية التي تعمل في مصر جمعية المكابي اليهودية، وهي جمعية يهودية عالمية عسكرية تتستر بالرياضة، وهي تتعاون مع الإنجليز في قتل وتشريد المسلمين والعرب في فلسطين، وتتخذ مقرها الأساسي في فلسطين، وقد كشف سترها الإخوان وحذروا المجتمع منها.

وعندما لم يردع اليهود عن نصرة الصهيونية عمل الإخوان على الدعوة للمقاطعة؛ ولذلك كان الإخوان المسلمون أول هيئة تنادي بفكرة المقاطعة للبضائع الصهيونية في مصر، وقد وجَّهت نداءً بذلك إلى التجار العرب الذين يتعاملون تجاريًّا مع اليهود.

وبدأ الإخوان حملة مقاطعة مكثفة ضد المؤسسات والمنتجات اليهودية؛ يتحدث عنها أحد شهود هذه الفترة، وواحد من المشاركين بفعالية في تلك الأحداث فيقول:

"دعَونا إلى مقاطعة المحلات اليهودية في القاهرة، وطبعنا كشفًا بأسماء هذه المحلات وعناوينها والأسماء الحقيقية لأصحابها، وذيَّلنا هذه الكشوف بهذه العبارة: "إن القرش الذي تدفعه لمحل من هذه المحلات إنما تضعه في جيب يهود فلسطين ليشتروا به سلاحًا يقتلون به إخوانك المسلمين في فلسطين".

وبعد فشل مؤتمر لندن بدأت حملة مشتركة من جمعية مصر الفتاة والإخوان المسلمين والشبان المسلمين لمقاطعة المنتجات والبضائع الصهيونية، وشُكِّلت لجنة لهذا الغرض سميت باسم "لجنة تنظيم المقاطعة".

وقد بدأت اللجنة عملها بإعداد إحصاء شامل لأعمال اليهود التجارية والمالية، وتعريف الرأي العام بها حتى يمكنهم تنفيذ المقاطعة، ثم الدعوة إلى عقد اجتماع لبحث المشكلة اليهودية ووسائل حلها، وأخيرًا تقرَّر فتح باب التطوع للشباب للقيام بالدعاية للمقاطعة، وتهيئة الرأي العام لها والعمل على تنفيذها".

ويتفق المؤرخون على أن الإخوان المسلمين "ومصر الفتاة" كانتا أول هيئتين مصريتين تحثان الشعب المصري والعربي على ضرورة مقاطعة اليهود اقتصاديًّا.

كانت هذه الجهود في بداية اندلاع الحرب العالمية الثانية، ولم تتوقف جهود الإخوان في فضح اليهود الشيوعيين أو اليهود المتصهينين والذين يعملون ضد مصر وفلسطين من خلال الصهيونية العالمية.


-----

* المراجع

1- رءوف عباس: أوراق هنري كوبيل والحركة الشيوعية المصرية, ترجمة عزة كامل, الطبعة الأولى, سينا للنشر القاهرة 1988م.

2- جمعة أمين عبد العزيز: أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، الكتاب السادس، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2006م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق