الاثنين، 1 مارس 2010

اليوم الخليل.. غداً.. القدس


[ 01/03/2010 - 10:21 ص ]
د. عبدالله معروف

كما توقع المطلعون والملمون بقضية المسجد الأقصى المبارك والمقدسات في فلسطين عموماً.. أعلنت قوات الاحتلال ضم المسجد الإبراهيمي في الخليل ومسجد بلال في بيت لحم لقائمة ما يسمى (التراث اليهودي)، وبذلك انتهى الفصل قبل الأخير من عملية إنهاء الوجود الإسلامي في هذه الأماكن المقدسة، والتي بدأت منذ سنوات وبنفس طويل. وهنا أقول "الفصل قبل الأخير" لأن ما سيحدث الآن بحسب التوقعات أن سلطات الاحتلال ستبقي للمسلمين إمكانية الدخول إلى هذه الأماكن المقدسة فترةً معينة على اعتبار إقناع الرأي العام بأن هذه العملية ليست إلا مجرد إجراء شكلي ولم يؤثر على إمكانية الصلاة وإقامة الشعائر في هذه المساجد المقدسة، وذلك على أمل أن تظهر أصوات قد عهدناها دائماً تنادي بأن لا حاجة لانتفاضة الشعب الفلسطيني والمسلمين في العالم كله أو الغضب لهذه العملية الخطيرة وذلك لأن الوجود الإسلامي في هذه المساجد "ما زال مكفولاً"، وقد تظهر أيضاً نفس هذه الأصوات تنادي بأن يصلي المسلمون في هذه الأماكن ويتركوا "النضال" السياسي لاستعادة هذه الأماكن لأصحاب التوجه السياسي الذي سيرفع القضايا ويستعين بالمجتمع الدولي و"يفضح" الممارسات الصهيونية في العالم كله بحيث "تنكشف" المؤامرات للمجتمع الدولي الذي لن يقبل بهذا وسيكون ذلك "انتصاراً" سياسياً للفلسطينيين في وجه كيان الاحتلال.



هذا السيناريو عودتنا عليه هذه الأصوات.. ولن أتعب قلمي هنا بالرد عليها لأننا عهدنا فيها التخاذل وتقديم مصالحها المرتبطة بالمحتل أصلاً على مصلحة هذه الأمة ومقدساتها. وليس لي إلا أن أحذر أبناء أمتنا سواء داخل فلسطين أو المسلمين في العالم كله وأهيب بهم أن يقلبوا القنوات الفضائية عند ظهور هؤلاء اليائسين. ولا يلتفتوا لأصوات يائسة أخرى قد تقلل من أثر هذه العملية وتقول إن تضخيمها والحديث عنها مجرد عبث.



إن ما حدث في المسجد الإبراهيمي بالذات (ويلحق به مسجد بلال بالتأكيد) له دلالات كبيرة وخطيرة تثبت ما ينادي به المطلعون على قضية المسجد الأقصى المبارك من توجه قوات الاحتلال الصهيوني لتقسيمه واقتطاع جزء منه لصالح قضية المعبد، ويبين أن ما يحدث في المسجد الإبراهيمي الآن مجرد "بروفة" وتدريب عملي لما سيحدث في المسجد الأقصى المبارك إن بقي الوضع على ما هو عليه. ولنبدأ القصة من بدايتها لنرى نفس السيناريو في القدس أيضاً وأرجو من القارئ أن يتصور أحداث القصة التالية في المسجد الأقصى المبارك مع أن مسرحها الخليل.



تم احتلال المسجد الإبراهيمي في الخليل عام 1967، وهو نفس العام الذي تم فيه احتلال المسجد الأقصى المبارك وشرقي مدينة القدس. ومنذ ذلك الوقت كانت قوات الاحتلال تحاول الدخول إلى منطقة المسجد الإبراهيمي بأي شكل وبأي طريقة، فبدأت باحتلال الجدار الخارجي للمسجد الإبراهيمي في الناحية الشرقية والجنوبية، وبعد تكاثر المتطرفين اليهود في المكان بدأت ترتيبات إدخالهم إلى المسجد الإبراهيمي إلى جانب المسلمين بحيث يصلي كل طرف منهم صلاته، وبعد ذلك بدأت المطالبة بتخصيص أوقات يسمح فيها للصهاينة بالانفراد داخل المسجد الإبراهيمي أوقاتاً محددة، وبمعنى آخر: اقتطاع زمني لصالح اليهود، واستمر الأمر على ذلك حتى سمحت قوات الاحتلال لأفراد المتطرفين الصهاينة بدخول المسجد الإبراهيمي بأسلحتهم "دفاعاً عن أنفسهم" في وجه المسلمين. وكان التطور الخطير لهذه الترتيبات متمثلاً في مجزرة المسجد الإبراهيمي عام 1994 على يد الإرهابي المتطرف باروخ غولدشتاين "الذي اعتبره المتطرفون الصهاينة شهيداً قديساً بعد أن قتله المصلون المسلمون في ذلك اليوم".



ولم تكن هذه المجزرة إلا جزءاً من الاستراتيجية الصهيونية للسيطرة على المسجد الإبراهيمي، وذلك بدليل نتيجة المجزرة التي كانت عكس المفترض، فبدلاً من معاقبة المتطرفين اليهود بمنعهم من دخول المكان، فوجئ العالم كله بقوات الاحتلال تكافئ المتطرفين اليهود باقتطاع جزء من المصلى المرواني وتخصيصه لليهود فقط، الأمر الذي لم تم تطويقه من قبل جهات كثيرة كان منها للأسف جهات فلسطينية، خاصة أن عملية السلام في ذلك الوقت كانت تمر في أوج مراحلها. وخلال السنوات اللاحقة بدأ التضييق على المصلين المسلمين في المسجد الإبراهيمي يشتد أكثر متجلياً في منع المسلمين من دخول المسجد في الأعياد اليهودية (وما أكثرها)، وبالمقابل إبقاء الوضع على ما هو عليه في أعياد المسلمين، ووصل الأمر إلا إغلاق المسجد الإبراهيمي في وجه المسلمين الأيام والليالي ذات العدد، وها قد حان وقت إعلان المكان تراثاً يهودياً مع "وعد" صهيوني رسمي - تناقلته وسائل الإعلام - بعدم المساس بحقوق العبادة لدى المسلمين. وهذا المتوقع في هذه الحالة على الأقل في البداية كما حدث عند الاقتطاع عام 1994.



ولمن لا يعلم أبعاد الإعلان الصهيوني الأخير أقول: إن هذا الإعلان يعني انقلاب الوضع في المسجد الإبراهيمي رسمياً لأول مرة منذ الاحتلال الصليبي للخليل قبل حوالي ألف عام، فبدلاً من أن يكون هذا المكان مسجداً حقاً للمسلمين يصلي فيه اليهود دون حق في ملكيته (منذ الاحتلال عام 1967)، أصبح المكان بهذا الإعلان كنيساً يهودياً كاملاً يسمح فيه للمسلمين بإقامة شعائرهم باعتبار ذلك "تفضلاً" و"منَّةً" من اليهود لا باعتباره حقاً للمسلمين، وهذا الإعلان يمكن اليهود إلى اعتبار المسلمين (أصحاب المكان في الحقيقة) مجرد رعايا يسمح لهم بالصلاة في المكان دون اعتراف لهم بحقهم فيه، ويفتح هذا الباب للاحتلال بحقه في منع المسلمين من الصلاة في هذا المكان في حال مخالفة القوانين التي تضعها قوات الاحتلال، وهو ما سيحدث في المستقبل القريب خلال السنوات القليلة القادمة إن بقي الوضع على ما هو عليه وينتهي بإخراج المسلمين نهائياً من المسجد الإبراهيمي، وهذه الحالة أقرب في مسجد بلال الواضع في بيت لحم نظراً لظروفه الأصعب من المسجد الإبراهيمي.



هذا هو السيناريو الذي يتم الآن تنفيذه "لا تخطيطه فقط" في المسجد الأقصى المبارك، فالأقصى مر بالمرحلة الأولى وهي احتلال الفضاء الخارجي له منذ عام 1967، ويمر الآن في أواخر المرحلة الثانية وهي تخصيص الأوقات الصباحية لصلاة اليهود في رحابه بأعداد كبيرة، وهو على أعتاب المرحلة الثالثة التي قد تحدث قريباً وهي تقسيم ساحات المسجد الأقصى المبارك بين المسلمين واليهود واقتطاع جزء قد يكون صغيراً في البداية من ساحات المسجد لصالح الجماعات اليهودية المتطرفة.



ونحن هنا لا نروج للأمر ولكن نقول إن على الأمة أن لا تنتظر حتى يحدث هذا الأمر لتقوم وتنتفض قليلاً ثم تموت القضية كما حدث سابقاً مع المسجد الإبراهيمي، ولكن المسؤولية تكمن في منع هذا الأمر من الحدوث أصلاً، وهنا يتكامل الرسمي مع الشعبي، فالرسمي عليه أن يرسل رسائل شديدة اللهجة إلى قوات الاحتلال بأن الأمر سيعود إلى ما كان عليه قـــــبل مؤتمر مدريد عام 1992 في حال المساس بأي جزء من ساحات المسجد الأقصى المبارك (وليس مجرد قبة الصخرة أو الجامع القبلي)، والشعوب عليها التحرك الآن لإرسال رسائل شديدة جداً إلى كيان الاحتلال توضح له أن الشعوب لن تسمح بأي شكل بأن يحدث أي تقسيم للأقصى.. وعلى الإعلام أن يساهم في هذه المرحلة بقوة بزرع وتأكيد هوية المسجد الأقصى المبارك الحقيقية لدى أبناء أمتنا.. فالأقصى ليس مجرد قبة الصخرة أو الجامع القبلي، وإنما هو كل الساحات بأشجارها ومصلياتها وقبابها وآبارها ومحاريبها ومدارسها ومصاطبها وبوائكها وكل ما فيها (والذي اسمه الحقيقي "المسجد الأقصى" لا ما يسمى خطأً "الحرم القدسي")، واقتطاع أي جزء من الساحات أو حتى إسقاط شجرة منه كما حدث العام الماضي يعني فعلياً اقتطاع جزء من الأقصى المبارك والاعتداء عليه كله.



الأمر وصل إلى تطور كبير وخطير، والأمة كلها اليوم على المحك، وستكون النتيجة عامة شاملة للأمة كلها لا واحداً أو جهةً منها فقط، وهنا أتذكر شخصاً اتصل ببرنامج تلفزيوني كنت أشارك فيه وسأل: (من الذي سيحاسب يوم القيامة عن ما يحدث للمسجد الأقصى المبارك؟) فكان الجواب الذي أكرره لكل من يقرأ هذه السطور: أنـت.



* أستاذ دراسات بيت المقدس

صحيفة القدس العربي اللندنية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق