السبت، 27 مارس 2010

الشهيد القائد عبد الله القواسمي يتحدث عن أيامه في سجون السلطة

وثيقة هامة
مذكرات شهيد..



خاض الكثير من الشهداء الفلسطينيين ومنهم القادة السياسيون والعسكريون لحركة حماس تجارب مريرة في سجون السلطة الفلسطينية. وكان الشهيد عبد الله القواسمي قائد كتائب القسام في الخليل أحد الذين عانوا في سجون السلطة حيث أمضى عدة سنوات في الفترة من شهر كانون ثاني 1998م حتى نيسان 2002.
وفي مذكرات كتبها بخط يده تحدث الشهيد عن تلك التجربة وكيف قضى أيامه في سجون السلطة في أريحا والخليل قبل الاجتياح الإسرائيلي للمدن الفلسطينية ربيع عام2002م. ويما يلي نص مذكرات الشهيد:

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة


بداية دخولي إلى جهاز التحقيق العام في أريحا رأيت ما أذهلني من المعاملة السيئة من الضرب والتعذيب الجسدي والمعنوي والشبح والحرمان. وقد جلست مع نائب مدير المخابرات وتحدثت معه عن هذه المعاملة وكان هو يشارك في أدوارها فقلت له سأخرج يوما من السجن وسأكتب وسأنشرها.



ومن المؤسف أن جهاز المخابرات غالبه من سجناء قضوا سنين طويلة داخل سجون الإسرائيليين وهم اليوم يحققون لمصلحتهم كما قال لي مدير المخابرات نحن لا نعرف عنك أي معلومة وكل شيء عندنا من الطرف الآخر.
وبذلك أكتب مذكراتي بصدق ومرارة وأنا مسؤول عن كل كلمة كتبتها والله شهيد على ما أقول. وحتى يعلم القاصي والداني الحقائق وكي نزيل الستار عن الأمور التي لا يعملها إلا القليل ويظن الناس أن الاحتلال قد زال!
وبسم الله ابدأ وبه أسير


بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، حينما يزيد الظلم ويسود الظلام وتسود الأيام ويطفح الكيل لا بد وأن نكتب ونقول الحقيقة المرة ونكشف الأستار عما يدور ويجري أمام مسمع ومرأى الجميع ليعلم كل الناس أخبار أهلهم والمآسي والآلام التي يلاقيها إخوانهم دونما جرم ولا خطيئة ولا رادع ولا دين ولا ضمير ولا قانون ولا محاسب ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقد تحدثنا مع منظمات إنسانية وحقوق الإنسان والصليب الأحمر الدولي ولكن لا حياة لمن تنادي.







وعندما طفح الكيل وزاد الحد كان لزاما علي أن أزيل الستار عما يجري خلال أشهر طويلة من المعاناة والآلام في مركز تحقيق المخابرات العامة لمدينة أريحا المسؤولة عن تحقيقات الضفة الغربية وأصور مناظر حية عشتها بأيامها وساعاتها لم أقرأ عنها في الكتب ولم اسمعها من الآخرين.
وأنا مسؤول عن كل كلمة أكتبها وأقولها أمام الجميع ولن أقول إلا الحق وما رأيت والله الموفق لكل خير ولنرفع الظلم عن امتنا وشعبنا.



ظروف الاعتقال
حضرت قوات كبيرة من المخابرات والشرطة الفلسطينية إلى البيت برفقتها عدد من السيدات التابعات للمخابرات وكذلك عدد من المقنعين بصورة مفاجئة في الساعة الثانية صباحا إلى البيت، فاستيقظت على طرقات الباب فتحت شرفة الباب فإذا بأعداد كبيرة من العسكر مدججين بالسلاح.


في البداية ترددت في فتح الباب ولكن بعد حوار وكلام طويل معهم رأيت أحد الأشخاص معهم يلبس زي الشرطة ترددت بفتح الباب لأنني كنت أظنهم قوات خاصة إسرائيلية وقد تعودت على اقتحام البيت في الماضي من المخابرات الإسرائيلية إلا انهم اليوم يلبسون الأقنعة وبرفقتهم سيدات، دخلوا البيت بأعداد كبيرة واستلم كل قسم منهم بيتا لتفتيشه والعبث بمحتوياته فاستيقظ أطفالي الستة على أصواتهم وعلى التفتيش بهذه الصورة لتعود إلى ذاكرتهم الأيام السابقة التي تمنيت أن ينساها هؤلاء الأطفال الذين ظنوا أن الاحتلال قد زال وكان التفتيش دقيقا وقد لفت انتباه أحدهم بعد إزالة السجاد عن الأرض لون بلاطة متميزة عن أخواتها فلم يطمئن إلا بعد كسرها والتفتيش تحتها.



وطلبوا مني بعد ذلك الخروج خارج البيت للتحدث معهم خمسة دقائق طلبت منهم توديع الوالد المشلول الذي يصارع الموت لأنني قرأت عن الدقائق الخمس في الصحف وسمعت الكثير عنها وفعلا بعد مشادة كبيرة برفقة الحراسة المشددة ودعت الوالد وخرجت من البيت لأجد القوات الكبيرة منتشرة هنا وهناك حول البيت وكذلك المباني المجاورة والأراضي المحيطة بالبيت وركبت بسيارة وما هي إلا لحظات إلا وأنا في بناية العمارة التي لم ولن أنسى ذكراها فلي فيها جولات قريبة مع المخابرات الإسرائيلية ولكن اليوم وجه آخر وبلغة عربية.



مكثت في زنزانة الليل دون فراش وبعدها ذهبت لاستجواب المخابرات حيث بعدها بقيت على الكرسي في المكتب عدة ساعات بعدها ذهبوا بي إلى غرفة مجاورة حيث نمت الليلة الثانية ولم أر النوم وأنا أفكر وأتساءل كثيرا هل أنا أحلم أم إنها الحقيقة؟ من الذي اعتقلني قوات إسرائيلية أم عربية؟ ولماذا أنا هنا؟ هل سرقت أموال الأمة؟ هل قتلت أحدا من الجيران؟ هل بعت أرضي لليهود؟ هل أنا مجرم؟؟ هل أخطأت في حق أحد؟ وهل ..وهل ..وهل؟ وصليت الفجر وأكملت الأسئلة وغفت عيني في الصباح وإذ بأحدهم يأخذني خارج السجن إلى سيارة تقف هناك، سألت إلى أين؟ قال لا تسأل. ظننت أنهم سيعيدونني إلى البيت ولكن سارت السيارة طويلا عبر الخليل إلى شارع وادي النار ومن ثم إلى المخابرات المركزية في أريحا.




الاستقبال في مخابرات أريحا
وفور وصولي إلى مكاتب المخابرات في أريحا نزلت من السيارة وأدخلت إلى إحدى الغرف هناك وفورا أحضر كيس يوضع في الرأس من قماش ثخين من مخلفات المخابرات الإسرائيلية.


سألت العسكري وهل بقيت هذه الأكياس حتى اليوم فانهال علي ضربا وشتما وكفرا وقادني والكيس على رأسي إلى غرفة مدير التحقيق وتكون الجولة الأولى فورا، تحدثت معه عن الاستقبال الأول وكذلك في غرفة استلام الأمانات حيث زادت الأحوال والضرب. هناك تحدثت مع المدير وقلت كنا عند المخابرات الإسرائيلية وهم يعملون لدينهم ولوطنهم ولشعبهم وأنتم لمصلحة من هذا الحقد الدفين؟ وما هو الداعي لمثل هذه الأعمال؟ قال هذا الموجود.




وتحدثت بعدها مع نائب المدير عن الاستقبال فنادى أحدهم فسأله عن الذي حدث فقال ظننته من المذنبين. وظننت أن الأمر انتهى ولكن لسوء الحظ أن الأمر بدأ من هذه الساعة حيث تابعت الجولات بين غرف التحقيق والزنازين. كان الكيس لا يفارق المكان مكثت على هذه الحالة مدة ثلاثة عشر يوما، وكان ذاك الشهر (كانون ثاني والرابع عشر من رمضان) وبقيت كذلك حتى عيد الفطر والغريب أنني حرمت من كل شيء حتى من الفرشة والغطاء طيلة هذه الفترة من البرد القارس حتى الفروة التي كنت البسها أخذوها حيث إنني خرجت من بيتي والثلج يغطي الأرض والبرد الشديد وحينما كنت اطلب الفراش كانت الشتائم، حتى ترحمنا على أيام زمان, زمن الاحتلال الإسرائيلي.


أيام التحقيق
..بل دقائق التحقيق والمعاناة التي لا توصف، فلا أستطيع وصفها فالمدة التي قضيتها تقارب أربعة شهور ونصف ولم أكن أسمع بهذه المدة للتحقيق حتى في قضايا إجرام أو دولية، والمصيبة في ذلك أن يكون التحقيق في جو من الرعب والرهبة حيث إنني خلال هذه المدة لم يسمح لي الاختلاط بالمساجين أو حتى الكلام مع أي منهم، وكانت الحراسة مشددة وخدماتها على مدار 24 ساعة على باب الزنزانة، وحينما اطلب أي طلب يكون الجواب _عبد مأمور _ ولا أستطيع أن أحبط بالآلام والمآسي التي مررت بها، وحتى الآن لا ادري حقيقة أم خيال ما يجري في هذا الزمان .. وسأكتب أيام وساعات المرارة في أبواب لأعطي بعض الصورة عما يحدث هناك، كما شاهدت وبدون عواطف أو زيارات وأنا مسؤول أمام الله والناس والله على ما أقول شهيد.




جولات التحقيق
كانت هذه الجولات في الشهر الأول، كل يوم ثلاث جولات وأحيانا جولتان، وكانت غالب الجولات في ساعات آخر الليل إلى قبيل الفجر، وكان غالبها في شهر رمضان الفضيل، وكانت المضايقات والتعذيب خلالها في غرفة المحقق حيث الضرب والشتائم، ولكن اليوم باللغة العربية الفصحى وليس بالعربية المكسرة كما تعودت سابقا، وأساليب التعذيب كثيرة جمعت من السجون الإسرائيلية ممن عاشوا أيام الاحتلال وسمعوا بالتعذيب أيضا من الذين تعلموا في الدول العربية دورات التحقيق، لكن اليوم ضد أبناء شعبهم وأمتهم وبكل إخلاص وزيادة، وأيضا نتف اللحية هنا فن من الفنون والتهديد بحلقها مستشهدين بأسماء كثيرين من المشايخ الرموز والرجال تظهر.




ومما لا أصدقه أن هؤلاء يدعون الإسلام والإفطار في رمضان والدخان في النهار والعجيب الجرأة العجيبة في شتائم الذات الإلهية والدين ولا أعلم. وأتساءل هل هذه معاهدة السلام واتفاقية أوسلو؟ ولكن كان الجواب أنها من اجتماع شرم الشيخ ومحاربة الإرهاب والإرهابيين؟!!



والعجيب في ذلك أن من هؤلاء المحققين من قضى سنين طويلة في سجون الاحتلال ولاقى من التعذيب والتنكيل به وبأهله ولم يجد من يفرغ الأحقاد التي جمعها إلا في أبناء الحركة الإسلامية وأبناء شعب فلسطين. وأتعجب كيف استطاع اليهود صناعة أشخاص يقومون بهذا الدور ويكون القيام به خيرا مما يتصورون ويتم ذلك خلال أشهر قليلة.
ومن مظاهر التعذيب الأخرى الوقوف لفترات طويلة مع وجود الكيس على الرأس سواء كان الجو باردا أو حارا خاصة في الزنزانة التي تفتقر إلى الهواء أصلا فما بالك وان تكون زنزانة بدون تهوية والكيس على الرأس والرائحة الكريهة وكذلك حرارة أريحا التي لا تطاق حتى في الغرف المكيفة.




وحينما ينادي أو يستغيث أحدهم يكون الرد بعد ساعات أو أوقات تناول الطعام وقد يحتمل ذلك ساعات طويلة من النداء والصبر خاصة ساعات الليل والصباح.
وناهيك عن الضرب أو التعذيب الجسدي الدائم سواء داخل الزنازين وأيضا داخل غرف التحقيق من المحققين أو الجنود وغالبا ما يكون الحقد الدفين يتحكم في الأهواء في المعاملة.





ومن الأساليب الجديدة ترك المعتقل لأيام وأسابيع دون فراش في الغرفة أو الزنزانة وأنا شخصيا احضروا لي الفرشة بعد أسبوعين، وبعدها البطانية ثم الأخرى وكان ذلك في شهر كانون حيث البرد الشديد ولا حافظ إلا الله أما التحقيق العنيف الذي لم أسمع به حتى في السجون الإسرائيلية فكان الشبح المتواصل ليلا ونهارا وذلك بربط الأيدي بالقيود والتعليق بالسقف على رؤوس أصابع الأرجل مع وجود الكيس وهذا يسمى في عالم التحقيق نصف شنق وتفصيله في التالي:



نصف الشنق
هيئة جديدة من التحقيق لم نسمع بها إلا جديدا ، وهي إحضار الشخص وتقييد يداه بالسلاسل وربطها بالسقف مع وجود طوبة تحت الأرجل وحين الإنهاء من الشد تزال الطوبة ليصبح تقل الجسد على اليدين ويكون الكيس موضوعا على الرأس ويأتي العساكر بين الحين والآخر ليشد الجسم شمالا ويمينا وهو موثوق بالسقف وقد أنهكت قوى الشخص وأصابه الإعياء ولا يشعر إلا أنه بين الموت والحياة ويتمنى الموت كل دقيقة لكن الإعياء والتعب يزيد ساعة بعد الأخرى ويأتي المحقق بين الحين والآخر ليفاوض -والله على ما أقول شهيد- أما ساعات الاستراحة فهي فترة الطعام وكان شهر رمضان الفضيل فكانت فترة السحور والإفطار وفورا يكون السجان بالانتظار، مكثت على ذلك الحال أربعة أيام بلياليها دون توقف وكانت الوجبة الأولى حوالي 17 ساعة متواصلة من السحور.




جاء الجزار المسمى "أبو رأفت" وأنا أتناول طعام السحور طلب مني القيام والصعود فرفضت فأخذني إلى زنزانة وكانت الساعة تقارب الثالثة صباحا فأخذ يربط هو ومن معه يداي وشدها بشباك عال بعد وضع طوبة تحت رجلاي وبعد أن أحكم الربط سحب الطوبة وكان الكيس على رأسي وبقيت على هذا الحال مدة 17 ساعة أي حتى أذان المغرب، وبعدها أعاد الربط لمدة أربعة أيام مع الليالي. وفي اليومين الأولين كان تربيط اليدين برباط قماش أما اليومين الثالث والرابع فكانت كلبشات الحديد هي وسيلة الربط.



ليلة القدر والعيد
وأمضيت ليلة القدر رافعا يدي إلى السماء حتى مطلع الفجر، وكان العون من الله على الثبات على الحق والصبر على المكر والحقد وكان المحقق يأتي للمراودة والتحقيق في الزنزانة، وكانت هذه الأيام هي الأقسى والأعنف، إلا أن الله كان هو الحافظ وهو الشهيد وانتهت المحنة بعطلة عيد الفطر السعيد وتذكرت بفرحة المؤمن يوم فطره. وكان فعلا يوم عيد وفرحة رغم كل المعاناة وأيام المحنة، ولكن الجولات لم تنتهي بعد وكنت أظنها قد انتهت إلا أن المعاناة لا زالت ولكن بأشكال أخرى حيث بقيت في الزنزانة انفراديا وأعطوني فرشة وكان يوم العيد وكل عام وانتم بخير وتقبل الله طاعتكم.
وكان حرمان الأهل من الزيارات عدة مرات حتى يوم العيد حيث جاء الأهل وغادروا من حيث أتوا وقد احضروا بعض الطعام يوم العيد، ولكن كان من نصيب السجان كما علمت مؤخرا وسمعت تكبيرات العيد من غرف الموقوفين، طلبت الصلاة معهم لكن كان الرفض حيث بقيت طيلة المدة وهي أربعة أشهر ونصف وحيدا في الزنزانة بالسجن الانفرادي مع الرقابة الشديدة وسمح لي بالاستحمام بعد أسبوعين من المعاناة والعرق الشديد الرائحة الكريهة وذلك بمناسبة العيد "وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد" هذه صورة مجملة عن الشبح في مخابرات أريحا المركزية.



مناشدة حقوق الإنسان والصليب الأحمر


وخلال هذه الفترة وهي أربعة أشهر ونصف من المعاناة وحيث إنني أعاني من أمراض في العمود الفقري والغضروف وتعالجت سنة 93 في مستشفى المقاصد بالقدس لمدة ثلاث شهور. ووفق معاناة الحرمان من الفراش والتعذيب والشبح والعزل الانفرادي بعث الأهل إلى جميع منظمات حقوق الإنسان مذكرات للتدخل في قضيتي ووضع الحد لهذه الاعتداءات، وقد زارتني وفود من حقوق المواطن وحقوق الإنسان والصليب الأحمر ولكن دون جدوى ولا حياة لمن تنادي.
وقد قال لي المحققون إننا نحن الجهاز الذي نعمل ما نشاء دون مراقبة ولدينا كل الصلاحيات حتى الموت، وحياة الشخص وموته مثل شربة فنجان القهوة وكل حقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية لا حساب لنا بها، وأيضا قوانين السلطة فنحن تحقيق بلا حدود ولا ضوابط، وفعلا لم يستجيبوا لأحد حتى نهاية المدة والمعاناة والآلام، ومالنا إلا الله وهو الشهيد.



الخدمات الطبية
ومن الخدمات التي لا بد وأن يحافظ عليها الجهاز خاصة أيام التحقيق والمضايقات الجسدية والنفسية والمعيشية وسوء المعاملة والحرارة الشديدة صيفا والبرودة شتاء خاصة الحرمان من الفراش فقد لاقينا العجب.
ففي الشتاء حيث البرد الشديد كما قلت وعدم وجود الفراش عانيت من أوجاع في الظهر، طلبت الطبيب في البداية فكانت الإجابة في البداية هل تظن نفسك في فندق؟! وبعد التحدث مع المسؤول مرارا كان التأجيل ثم التأجيل يوما لعدم وجود طبيب وأخرى لعدم وجود سيارة وأخرى لعدم وجود المسؤول.


وفي الصيف حيث الحرارة الشديدة خاصة داخل الزنزانة وعدم وجود التهوية فتكون الزنازين أفران بشرية وفي هذه الأثناء شعرت بصداع بالرأس، طلبت أولا أكامول أو أي علاج آخر لكن الجواب كان أنه لا يوجد هنا، ثم طلبت تحويلي إلى العيادة بعد ثلاثة أيام حيث صرف لي بعض الأدوية التي تناولتها وكان العلاج للتخدير.




وبعد أيام إثر موجة الحر الشديد وظروف الزنزانة الخانق عانيت من ألم في الرأس طلبت مراجعة الطبيب وكان التأجيل عدة أيام حتى زاد الألم وأصبح التهاب حاد في الأذن واللوز والحلق وبعد الطلب كل يوم تسعة أيام حضر الطبيب إلى المكان وتم صرف الدواء بعد يومين، فحياة الإنسان عندهم لا تساوي شيئا والإهمال والانشغال الدائم وعدم حضور الطبيب وعدم وجود سيارة للنقل كانت الذريعة دوما، أما بعض الحالات الأخرى فقد كانت صعبة جدا حيث تحضر سيارة الإسعاف لنقل الحالات المستعصية جدا.





ومن المهم جدا النظر إلى أنه حين طرق أبواب الزنازين لأي طلب يكون الجواب أو حضور المسؤول عن فتح الأبواب بعد مدة طويلة خاصة ساعات الليل والصباح وقد يكون النسيان لمدة خمس ساعات بعد حضور المسؤول، وحين حصول حالة طوارئ أو مرض قد يسبق الإغماء أو الموت كما حصل والأبواب مغلقة ولا من يعلم ولا يدري ماذا يحصل وماذا يجري.



وحين طلبت الطبيب عدة أيام قابلت أحد الضباط ويسمونه أبو إيهاب فكان الجواب لا تطلب الدكتور، هذا العلاج الأفضل والسليم وحتى حين إخراج المريض إلى الطبيب كان الكيس ملازم الرأس بدون انقطاع إلا على باب الغرفة، فكنت أشعر أن الهدف من وجودي في التحقيق هو تفريغ الأحقاد الكامنة خلال فترات الاحتلال لهؤلاء الذين قضوا سنوات من السجن أو الذين كانوا في الخارج ويحملون الحقد من هناك وحملوه هدايا لأبناء الوطن الذين كانوا ينتظرون قدومهم بفارغ الصبر.





معاناة الأهل
كانت المعاناة في البداية حيث منعت عن الزيارة شهرا ونصف الشهر تقريبا والمصير المجهول لي خاصة، وأني اعتقلت وأنا طريح الفراش مدة أسبوعين حيث كنت أعاني من التهاب المفاصل والغضروف خاصة وكان الاعتقال والأرض مفروشة بالثلج والبرد الشديد. وقد حضر الأهل عدة مرات لمركز المخابرات من الخليل إلى أريحا ويتكبدون مشاق السفر ولكن انعدام الإحساس والشعور لدى السجانين منعهم من رؤيتي. وقد احضر الأهل بعض الطعام إلى هناك وصل بعضها أما البعض الآخر فكان نصيب السجان والله أعلم.





وبعد ذلك سمح للأهل الزيارة وسط أجواء مشددة من الحراسة والتفتيش وكان اتفاقية طابا وأوسلو تنص علي بشكل خاص، وحيث كانت الزيارة أحيانا مدة ربع ساعة أما مدة السفر من الخليل إلى أريحا فهي تتجاوز ثلاث ساعات إيابا وذهابا وما يتخللها من المشقة والانتظار في البرد وتحت أشعة الشمس صيفا دون الاكتراث بالأطفال الذين أعياهم التعب والحر وكذلك الكبار الذين أعياهم التعب أصلا، فما بالك السفر والانتظار وكان الاستغراب منهم والسؤال دوما!!
كنا نزور سجون الاحتلال ولا زلنا في احتلال وإنما زادت المشقة وتغيرت الوجوه وانتهينا من إبعاد مرج الزهور إلى إبعاد أريحا،فإلى متى هذه المعاناة وهذه الحقوق المضيعة؟ ولمصلحة من هذه الأعمال التي لا تخدم إلا اليهود؟ وأولى بكم أن ترفعوا الآلام والعناء عن الأهل بدلا من زيارة الحصار والجوع والإرهاب وزيارة السجون والمعتقلات للشرفاء.
وأحرى أن تكون هذه السجون للخونة والقتلة واللصوص ومن باعوا الأرض والعرض وباعوا أنفسهم للشيطان.
وأهلنا هم الذين انتظروا قريبا أن ترسم البسمة على الوجوه التي طالما رأت الظلم والعناء من جور الاحتلال الإسرائيلي، وما جره من الويلات وكذلك اعتقال المعيل للأسرة وما يترتب عليه من إيجاد جيل جائع مهمل يتغذى بالحقد على الظلم والظلام وسوء التربية والإفلات خاصة في هذه الأيام العصيبة التي فيها من العناء أو الشدة والظروف الاقتصادية السيئة والمصاريف الطائلة، والعائلة التي أعيل تتكون من ثمانية أفراد ليس لهم إلا الله بالإضافة إلى المصاريف الجديدة المترتبة على الاعتقال حيث مصاريف السفر وإحضار المتطلبات إلى السجن البعيد وما يلاقيه الأطفال عبر الطريق الطويل والحرارة الشديدة ومخاطر السفر.






وأكثر من ذلك العامل النفسي حيث وجودي في السجون الإسرائيلية قد انتهى والآن قد فتحت فورا السجن العربي بدلا أن تقدم المساعدات للاستقرار والكفالات الاجتماعية والمساعدات الاقتصادية لتحسين الظروف الأحوال.
آن لذوي العقول والأبصار إن وجدوا أن يستفيقوا من سباتهم ويرفعوا الظلم عن أصحاب الحقوق والمخلصين من أهل هذا الوطن الذين ضحوا بكل ما يملكون لتحرير هذا الوطن من الظلم الأول.




يوم عيد الأضحى
رسمت البهجة على وجه الوطن الغالي وعلى وجوه الناس إلا علينا فلم يأت العيد إلا بالآلام. وقبل يوم عيد الأضحى وفي الليل حضرت قوات اقتحمت غرف السجن وكذلك الزنازين بقيادة مدير السجن أبو إبراهيم أبو سرَية بحجة التفتيش وقد أخرج كل محتويات الزنازين واحدة واحدة والتفتيش الدقيق وفي الصباح أعاد الملابس وأخذ كل شيء غيرها، من الفواكه خاصة والخضار والحلويات وقد كان الأهل يحضرون لنأكل شيئا خاص قبيل العيد، وقد صادروها جميعا بحجة أنها ممنوعة وكانت كميات جيدة من الجميع، يخرج أحد المساجين إلى غرف الإدارة يوم العيد ليجد جميع الفواكه والحلويات موضوعة هناك وتقدم للحرس والعساكر والضيوف، فما أخس هذه النفسيات التي تسرف حتى فرحة العيد، وما نفرح به من أهلنا بدلا من إحضار الفواكه والحلويات والحقيقة أن الإدارة لم تصرف لهم ما يأكلون في هذا اليوم فاضطروا إلى السرقة من المساكين الذين لا حول لهم ولا قوة وبحجة الأمن والأوامر العليا الملقاة عليهم.




وصليت يوم العيد وحيدا كما هي بقية الصلوات منذ شهرين، وقد طلبت من مدير السجن أن أصافح بعض المساجين الموجودين هناك إلا أنه كان الرفض فالأمن عندهم شيء مقدس، ولكن أمن من ولمصلحة من هذه المضايقات حتى يوم العيد؟.




وفي الصباح حضر الأهل للزيارة ورفض حراس الثورة والوطن إدخال أي نوع من الفواكه والخضار والطعام الذي أحضره الأهل وذلك بحجة المحافظة على صحة السجين، وفي النهاية اضطر الأهل للدخول بدون شيء بعد مشادات كلامية وطوشات مع العرب وكانت الزيارة طبعا خلال الإجراءات الأمنية المشددة والتفتيش الدقيق والحرس المرافق الخاص وكل عام وأنتم بخير مرة أخرى وتقبل الله طاعتكم ومع السلامة يا أطفال.



إجراءات تفتيش مشددة
من العجيب في هذا الزمان الاهتمام العظيم بالأمن ولكن في غير موضعه ولا بد أن نفتش عن آلام الأمة وحاجاتها حتى تسمو وتطالع الأمم المتحضرة نحو الخير والرفعة.




أما التفتيش عندهم فهو عجيب ومن مظاهره يوم العيد أحضر الأهل بعض الحلويات خاصة المعمول والبسكويت، قال مدير السجن أبو إبراهيم أبو سرية كل بسكوته سأكسرها، ولا بد أن يكون التفتيش دقيقا للغاية.
وفعلا وصلني كل شيء مطحون بسكوت ومعمول وهذا حقيقة من تفريغ الأحقاد الكامنة. وتفتيش لفاف المحارم كان اعجب حيث توظيف الجنود لإعادة لفة من جديد خوف من وجود عبوات ناسفة بين طياته وكذلك الملابس تفتيشها واحدة واحدة بدقة متناهية. وكذلك جسم السجين بدون خجل أو حياء. وأتساءل مرة أخرى لمصلحة من كل هذا؟؟!!





سرقات متفرقة
حماة الوطن والمصالح والإنسانية لا بد أن تكون الأمانة خلق أصيل عندهم، لكن أحضر الأهل بعض الأشياء لم أجدها، حتى الطعام كان يسرق ولا يصل وتجلى ذلك يوم عيد الفطر حيث استولوا بحجة حماية الأمن العربي على جميع الحلويات والطعام والفواكه التي بحوزتنا حتى الصابون وفرشاة الأسنان، وكذلك المعجون والكتب التي سمح بتدخيلها بعد مناشدات لحقوق الإنسان والصليب الأحمر وذلك للمدة الطويلة التي دامت أربعة أشهر ونصف من المعاناة حتى المصحف حرمت منه ولم يدخل إلا بعد المطالبة كل يوم. وقد أحضرنا مسجلا فكان من نصيبهم أيضا ولم أعلم به إلا بعد نقلي إلى السجن.



ويوم الخروج من السجن لم أجد ساعتي في الأمانات المبعثرة سالت عنها مدير السجن فقال كيف هي؟ قلت مثل التي على يدك تماما قال إذن خذها، وأيضا معي شخص آخر فقد ساعتان وفي السجن وجدت أن الكثيرين لم يحصلوا على نقودهم وأماناتهم.




تكملة لتحقيق المخابرات الإسرائيلية
من الغريب عند مخابرات السلطة أنها تركز على تحقيق المخابرات الإسرائيلية منذ العام 88، حيث إنني اعتقلت في ذاك العام، وفي جولات التحقيق هنا كان التركيز على إكمال هذا التحقيق وقد اعتقلت مدة 40 يوما وكذلك اعتقلت سنة 92 مدة سنة ونصف.





وكان التحقيق حوالي شهرا ونصف الشهر في سجن الخليل المركزي وخلا التحقيق هنا من البداية كان التركيز على إكمال التحقيق والاعتراف على تنظيم حركة المقاومة الإسلامية حماس، ولكن أساليب التحقيق تختلف حيث تغيرت اللغة والوجوه وبعض الأساليب الحديثة.



ومما يكبر في نفس الإنسان أن يكون المحقق اليوم عربي كنا معه في نفس المعتقل والخندق، واليوم هو استلم التحقيق بدل العدو ويحقق على نفس القضية وإن أكل عليها الزمان وشرب.


والغريب أيضا في البداية قول مدير التحقيق أبو أسامة إننا لا نعرف عنك أي معلومة إلا أن كل شيء يصلنا خلال الفاكس من حكومة إسرائيل. وأتساءل لمصلحة من هذا الظلم من ذوي القربى ؟!




متفرقات
الحمام:
سمح لي بالاستحمام بعد أسبوعين رغم الرائحة والعرق خاصة وان الكيس كان يوضع على الرأس طيلة الأسبوعين الأولين بشكل متتالي. أما بعدها تقريبا حتى نهاية الأربعة أشهر والنصف كان حين الخروج من الزنزانة لأي غرض.
أما الماء فكان غالبا باردا أو فاتر وفي فترة البرد الشديد كانت الرياح شديدة، فقد قلبت حمام الشمس مما اضطرونا إلى الحمام لمدة أكثر من شهر بالماء البارد في أبرد شهر خلال الاعتقال وقد تحدثت مع الصليب الأحمر ومنظمات حقوق الإنسان عن ذلك فكان الاعتراض منهم شديدا أي من الإدارة وقالوا نحن لا نهتم بأي أحد ونفعل ما نشاء دون قيد من أي كان، وكان الحارس دوما أو غالبا ما يضع كرسيه أمام الحمام وينادي دوما بالاستعجال حتى يذهب كي يستريح.



الحرمان من الضوء:
كنا في الغالب ما نتيمم للصلاة حيث عدم إمكانية الوضوء في الزنزانة لأنه لا يوجد ماء فيها كذلك لا يوجد مرحاض للضوء، وكنا لا نخرج إلى في ساعات معينة ولا نستطيع الخروج وقت الصلاة للوضوء خاصة صلاة الفجر وقد طلبت من الإدارة مرات عديدة تمكيننا من الوضوء ولكن كان الرفض دوما منهم، وإذا ما طرقنا أبواب الزنازين وطلبنا الوضوء كانت الاستجابة بعد فوات الأوان وحلول الوقت الآخر وأخيرا وبعد أن سئمت من الطلب زارني الصليب الأحمر وبكل أسى اطلب من الصليب والصليبيين أن يتوسطوا لي بمن يدعون الإسلام الوضوء وتمت التسهيلات بعدها.
وعن الكفر وسباب الذات الإلهية حيث كنا نسمع دوما هذا كأنه تسبيحهم حتى في الساحة العامة أمام الجميع وبصوت تسمعه من مسافات بعيدة ولأتفه الأسباب ولا حول ولا قوة إلا بالله.


الخروج للفورة:
الخروج للفورة والفسحة أي خارج الزنزانة ورؤية الشمس كان مطلبا دائما حيث أمضيت أول شهرين دونما خروج رغم الطلب الدائم وبعد شهرين خرجت في الساحة قرب المغرب لمدة نصف ساعة تقريبا وطبعا وسط الإجراءات الأمنية المشددة في الساحة الخارجية، وبعدها بشهر كنت أخرج لمدة ربع ساعة في الساحة الداخلية؛ وهي ساحة معقودة على شكل غرفة كبيرة إلا أن جزءا منها غير مسقوف ولكن عليه شبكة من الحديد كثيفة عبارة عن شبكة قضبان 25 ملم محصنة وكانت هذه الفترة بصحبة أحد الحراس مرافقا لي طيلة الفترة وكنت أخرج كل يومين تقريبا ولم أختلط مع أي من المعتقلين إطلاقا.




ومن الغريب أن أحد المعتقلين صعد يوما على نافذة ورد علي السلام ورآه أحد الحرس وكان في الغرف وكانت عقوبته أن أودعوه الزنزانة مدة عشرة أيام دونما جريمة ارتكبها.


بداية الصيف:
مع بداية الصيف كانت الحرارة شديدة حيث هذه المنطقة وهي أريحا ذات مناخ حار جدا صيفا، لأنها أخفض نقطة عن سطح البحر ولا يستطيع أي أحد أن يعيش في الصيف بعيدا عن المكيفات، أما الزنازين المعدومة من التهوية والمساحة الصغيرة جدا فتكون الحرارة عالية جدا ولا يستطيع الشخص النوم من شدة الحرارة إلا بعد الفجر.
ومع بداية الحر بدأت أفواج الحشرات بالدخول إلى الزنازين بأنواع كثيرة جدا وأشكال غريبة، خاصة وأن جانب الزنازين يوجد بساتين ومزروعات ومياه ويكون مصدرا للحشرات خاصة ليلا حيث يوجد ضوء في الزنزانة وتدخل الحشرات نحو الضوء وتسقط على الفراش وهذه مشكلة وإزعاج عظيم جدا، وكذلك أفواجا كبيرة من الصراصير والعقارب حيث نمضي أكثر الليل لمقاومة الحشرات للتخلص منها وكل ليلة على هذه الشاكلة حتى نهاية المدة التي قضيتها.




خاتمة

ماذا يربح السجين؟
السجين سجينان أما الأول فهو سجين باطل باع دينه بعرض من الدنيا وأتبع نفسه هواها وسار في حبائل الشيطان، فراح ينشر الفساد في المجتمع سواء كان المجتمع فاسدا أم صالحا، فتراه يسرق ويزني ويخون فعاقبه القانون وهو في قيد القذارة والنسيان وليس هذا مقصدنا.



أما الثاني فهو سجين الواجب وهو يرى أمته ممزقة ودماؤها مباحة مستباحة لكل سفاح أثيم وخيراتها متناثرة بين اللصوص وأخلاقها رسمتها الإباحية وأرضها ومقدساتها دنست وشريعة الغاب حكمت وشريعة الله مسحت وأستيقظ على هموم أمته وحمل الواجب ورام المعالي فامتطى صهوة جواده وراح يطلب حق أمته المسلوب، وباع نفسه لله رب العالمين وأقسم اليمين أن نموت أو نعيش مسلمين أتعب نفسه لراحة أمهله وأبناء دينه وسهر الليالي لينام الناس بليل هادئ وبذل روحه ونفسه ليحقن دماء المسلمين وطلب الحرية، فيودع في غياهب السجون في زمن الردة وبيع الضمائر وخلع ثوب الدين والحياء فهو عاهد الله أن لا يقر له قرار إلا وأن يرى شريعة الله تحكم أرضه ورايات العزة ترفرف فوق الأقصى وكل المساجد إن غلا الثمن وعز النصير فسجل اسمه في الكتيب الخرساء تحت راية سيد الأنبياء، أسهر ليله وأظمأ نهاره وهو يقف على شاطئ الأم ويقول:



يا هادر الموج هل ترسو مراكبنا... والشطّ يجمعنا أواه أواه

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق