الأحد، 28 مارس 2010

بين المسجد الأقصى وتمثال بوذا




بقلم: جمعة أمين عبد العزيز
أتذكرون يوم حُطِّم تمثال بوذا؟ كان يومًا لم تطلع عليه شمس من كثرة البواكي عليه، فذرفت الدموع من أجله، وسال المداد ينعاه، وسُطِّرت السطور السوداء حزنًا عليه، وما أكثر الألسنة التي تكلمت تدافع عن وجوده وتعدِّد مآثره، وتذكِّر الناس بتاريخه المديد، ومن لم يستطِع ذلك لطَمَ الخدود وشقَّ الجيوب، ودعا على من امتدَّت يداه الآثمة إليه، وسافرت الوفود إلى بلده تقدم واجب العزاء، وتستنكر الفعلة الآثمة.

وانبرى العلماء يؤصِّلون ضلال الفاعلين، ويؤكدون ذلك بالفتاوى والأحاديث؛ حتى تبرَّأ الجميع من الانتساب إلى من حطَّمه وتوعَّده بعظائم الأمور، واعتذر لأوليائه ومدَّ يد المساعدة للعمل على إعادته سالمًا غانمًا مما أصابه.

والغريب أن الحكام والمحكومين في مشارق الأرض ومغاربها عبَّروا عن أسفهم الشديد من هذه الفعلة الشنيعة التي قام بها بعض المتطرفين من المسلمين أو من المنتسبين إلى الإسلام، كما وصفوهم، وقامت الدنيا ولم تقعد لهذا الحادث الأليم، بل وسمعنا استنكارًا شديدًا من كلِّ المؤسسات الدولية لهذه الفعلة، وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة وهيئة اليونسكو وغيرهما من المؤسسات الرسمية والمدنية، وكنا نتمنَّى أن يقفوا نفس الموقف مع قضية الأقصى ومحاولة هدمه، إن لم يكن من أجل أنه مقدَّسٌ من المقدسات لأكثر من مليار من البشر فليكن على الأقل من أجل أنه أثرٌ من الآثار.

واليوم بمجرد أن فكَّر الشباب المسلم في أن يعبِّروا عن مشاعرهم تجاه الأقصى، وظنوا أن هذا من حقهم أن يعبِّروا سلميًّا بالوقفات والخطابات والكلمات- كما فعل أصحاب بوذا- إذا بجحافل الأمن تقبض عليهم وتلفق لهم التهم الجاهزة والاتهامات الباطلة، وتلقي بهم في غياهب السجون.

ويعجب الناس جميعًا: لِمَ هذا العنت، وهذا الظلم البيِّن، والأقصى يصرخ ويئنُّ ويحذِّر المسلمين من هدمه بعد تدشين "كنيس الخراب"؟!, والله لهو خرابٌ على اليهود ومن ساندهم، فلماذا صمت القبور الذي نراه في هذه الأيام من الجميع.

إن الناس في حيرة من صمت الحكام، والواجب في هذه الحالة أن يعلنوا الجهاد من أجل انتهاك المقدسات، فبالأمس كان الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال، واليوم الإعداد لهدم المسجد الأقصى وما هم ببالغيه بإذن الله، وهنا يعنُّ لنا سؤال: ما الفرق بين الأقصى والمسجد الحرام بالنسبة للمسلمين؟ فلما لا يغضب المسلمون ويصمتون وهم يرون كم من شباب الإخوان تم القبض عليهم من أجل الأقصى؟ مئاتٍ ومئاتٍ، وكل ذلك رخيصٌ من أجل مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولى القبلتين، فنحن نسأل الله شهادةً على أعتابه.

وفي هذا الجو الكئيب الذي سبَّب حزنًا للمسلمين نجد رجالاً يكسرون حاجز الخوف،
فترى عميد كلية يتقدم مسيرةً سلميةً لطلابه تعبِّر عن الغضب الذي يملأ النفوس،
وهذا أقل التعبير،
كما نرى رئيس محكمة يوقف الجلسات تعبيرًا عن استيائه مما فعله اليهود عند المسجد الأقصى وحوله،
بل ترى قضاةً يحكمون بإخلاء سبيل الشباب،
وترى "الأمن" لا يأبه بهذه الأحكام بل يعتقل الشباب، بالرغم من هذه الأحكام؛ للمحافظة على معاهدة السلام "كامب ديفيد" و"أوسلو" وأخواتها، والتي كانت سببًا في هذا الهوان، وتكميم الأفواه، وتكبيل الحريات، وليفرح يهود الذين لا تشغلهم مثل هذه الاتفاقات، ويضربون بها عرض الحائط؛ لأنهم ناقضو العهود وقاتلو الأنبياء،
بل كما قال القرآن: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاً وَلا ذِمَّةً﴾ (التوبة: من الآية10)، فمتى يفيق القوم؟! ومتى يُسقطون هذه المعاهدات من الحساب؟!

ليت السلطة في رام الله تفيق وتتعلم من هذه الدروس، وتعود إلى رشدها، وتضع يدها في يد أخواتها من الفصائل المجاهدة، فلا يعرف اليهود إلا لغة القوة، ولا يهابون إلا كلمة "الجهاد"، فدعونا من معاهدات السلام، ولتكن المقاومة هي السبيل!.

لك الله يا أقصى، وأنت تشكو من حال المسلمين بل وحكامهم!!،
والله لكأني برسول الله صلى الله عليه وسلم يقصدنا حين قال ما معناه: "توشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قلنا: أوَمِن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: لا بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنَّ الله المهابة من قلوب أعدائكم، وليقذفنَّ في قلوبكم الوهن، قلنا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت"، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

أتدرون يا مسلمون ما معنى حب الدنيا وكراهية الموت؟ إنه ترك الجهاد، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: "ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا" وهل بعد هذا الذل ذل؟!

يا مسلمون، هل ظهر الصبح لذي عينين؟ نعم ظهر للبصير الذي يؤمن بمنهج الله فهمًا وتطبيقًا، وأما الأعمى أو الأعشى.. أعمى البصر والبصيرة.. فلن يرى نور النهار الذي يبدِّد الظلمات، ولا يحسُّ بالصبح إذا تنفس، وصدق الله القائل: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (19)﴾ (الرعد).

نقول ذلك لمن يُبعدون عامل الدين عن المعركة، والتي لا يحسها إلا من فهم الإسلام، بينما اليهود حروبهم دينيةٌ، ابتداءً من اسمها.. أسماؤهم وأعيادهم ومناسباتهم ومدنهم.. كل شيء عندهم ظاهر كالشمس في رابعة النهار، يراه كل بصير، وأما من يتعامى فالله يقول: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)﴾ (الحج).

والله لنصرُ الله قادم..
قادم في الدنيا قبل الآخرة،
مصداقًا لقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ (51)﴾ (غافر) ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (51)﴾ (الإسراء

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق