الخميس، 6 مايو 2010

المعابر الفلسطينية





المعابر الفلسطينية في ميزان القانون الدولي
يتعرض إخواننا في قطاع غزة المحتل إلى مجازرَ وحشيةٍ من قبل الاحتلال الصِّهيَوني، لم تبدأ يوم السبت 27 ديسمبر 2008م بالقصف الوحشي واستهداف المدنيِّين العُزَّل، وتقتيل النساء والأطفال، وهدم دور العبادة والبِنَى التحتية والمرافق العامة فحسب؛ بل بدأت جريمة الإبادة الجماعيَّة منذ أن أخْلت قُوَّات الاحتلال الصهيوني غزةَ يوم 12سبتمبر 2005م، وسلَّمتها للسلطة الفلسطينية، وزاد الخناق على غزَّة بعد عمليَّة الحسم التي أجرتها حركة المقاومة الإسلامية حماس، في 16يوليو 2006م؛ بغيةَ إسقاط حكومة حماس، وإنهاء خيار المقاومة في تلك البقعة من الأرض المباركة.
الخطير في الأمر أنْ تشارك بعض الأطراف العربيَّة في عملية الحصار، خاصةً التي بيدها وتحت سيادتها معابرُ حدودية بينها وبين فلسطين وقطاع غزة تحديدًا، والأخطر والأدهى أن يتذرَّع البعض بالقانون الدَّولي والشرعيَّة الدوليَّة، التي تلزمهم أن يمضوا اتفاقيَّاتٍ خاصَّة بالمعابر؛ مثل اتفاقيَّة المعابر الإسرائيليَّة الفلسطينية الموقَّعة في 15 نوفمبر 2005م، والاتفاق المصري الإسرائيلي المُوقَّع في أول أغسطس 2005م، المعروف باتفاق "فيلادلفي"، والذي يعتبر ملحقًا لاتفاقية "كامب ديفيد"، الموقعة بين مصر والكيان الصِّهيَوني في 29 مارس 1979م.
والذين يسوقون هذه الذريعة يضلِّلون الرأي العام، ويحاولون ذَرَّ الرَّماد في العيون؛ لأنَّ حجتهم واهية أمام حقائق ومبادئ القانون الدولي، الذي لا يجيز الاستيلاء على أرض الغير بالقُوَّة، وهذه عبارة تتصدر القرار الدولي الصادر عن مجلس الأمن رقم 242، بل يجيز القانون الدولي المقاومة من أجل إنهاء الاحتلال.
فالكيان الصهيوني الغاصب - حسبما يرى كثير من خبراء القانون الدولي - أقام دَوْلته على الاستيلاء على الأراضي بالقُوَّة من أهلها، وهو ما يُعَدُّ باطلاً في القانون الدولي، وما بُني على باطل فهو باطل؛ لذلك يرى هذا الفريق من الخبراء بُطلان قرار تقسيم فلسطين وإقامة دولة إسرائيل من الأساس.
وإذا تجاوزنا هذا البُطلان المبدئيَّ، فستظل إسرائيل عبارة عن دولة مُحتلة، وهي يجب أن تُنهي احتلالها وَفْق القانون الدولي للأرض التي احتلتها عام 1967، وعلى إسرائيل أن تعيد اللاجئين الفلسطينيين وَفْق قَرَار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، وأنْ تُعيدَ للفلسطينيين أراضيَ خُصِّصت لهم وفق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 عام 1948م.
وبالتالي تنطبق على الأراضي الفلسطينية أحكامُ لائحة اتفاقية لاهاي لعام 1907م، واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949م، والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977م، ويظلُّ الاحتلال الإسرائيلي مسؤولاً مسؤوليَّة كاملة عن حِفظ الأمن والنِّظام داخلَ الأراضي الفلسطينية المُحتلة، بصفتها قوة احتلال لا تزال تُسيطِر على المناطقِ التي تتم إدارتها مدنيًّا من قبل السلطة، دون أن يُعْفى الاحتلالُ الإسرائيلي من مسؤوليته القانونية طبقًا للقانون الدولي.


إذًا؛ إسرائيلُ دولة محتلة، والقانون الدولي لا يجيز الاتِّفاقات ولا المعاهدات مع قوى الاحتلال، وكلُّ اتفاقٍ مع دولة محتلة من قِبل الناس الذين يقعون تَحت الاحتلال مَبنيٌّ على باطل، وعلى هذا الأساس يكون اتِّفاق معبر رفح ليس قانونيًّا وفق القانون الدولي؛ لأنه يكرس الاحتلال الذي يدعو القانون الدولي إلى إنهائه، وعلى كل الدول بما فيها مصر وباقي الدول العربية أن تَمتنعَ عن المشاركة في اتفاق مع قُوة محتلة، يعتبرُ القانون الدولي احتلالها غيرَ شرعي ويجب العملُ على إنهائه.


والذي يؤكد هذا المَنحى القانوني: أنَّه لا يوجد من النُّصوص ولا الأعراف الدوليَّة ما يجعل للاتفاقات الثُّنائية مكانةً فوق القانون الدولي، بل تُعد الاتفاقات الثنائية التي تتناقض مع أو تخالف القانون الدولي باطلة، وهو الحاصل في حالة اتفاق السلطة الفلسطينية مع الدولة الصهيونية المحتلة، التي لا يجيز لها القانون الدولي احتلالَ أرض الغير بالقُوَّة.




[تحرير] الاحتلال لا ينقل سيادة على الأراضي المحتلة:
وقد أثْبَتَ الخبير الدولي الدكتور السيد أبو الخير في دراسة حديثة له بعنوان "المعابر الفلسطينية في القانون الدولي": أنَّ فقهاء القانون الدولي العام يُعرِّفون الحدودَ الدوليَّة، بأن حدَّ الدولة: هو ذلك الخط الذي يميِّز حدود الإقليم الذي تمارس عليه الدَّولة حقوق السيادة، فالحد الدولي: هو الخطُّ الذي يحدد المدى الذي تستطيع الدولة ممارسة سيادتها فيه، ويفصل بين سيادة هذه الدولة والدُّول الأخرى المجاورة، وبما أنَّ المعابر تقع على الحدود الدوليَّة بين الدول، فإن إدارتها والإشراف عليها جزء من ممارسة الدولة لسيادتها على إقليمها، فالاعتداء على هذه المعابر أو التحكُّم فيها بالإدارة أو الإشراف - دون وجه حق - يعتبر اعتداءً على سيادة الدولة، ولا يجوز التفريطُ في الإدارة والإشراف على المعابر أو التفريط في الدِّفاع عنها.


وتطبيقًا وترتيبًا على ما سلف واعتبار إسرائيل قُوَّة احتلال في الأراضي الفلسطينية، وحتى لو سلمنا جدلاً بأنها ليست كذلك إلاَّ خارج حدود قرار التقسيم رقم (181) لسنة 1948م، فإنها تكون قوَّة احتلال في الضفة الغربية وغزة، وطبقًا للقاعدة القانونية الآمرة في القانون الدولي التي تنصُّ على أن "الاحتلال لا ينقل السيادة على الأراضي المحتلة"، وبما أن الإدارة والإشراف على المعابر يعتبر جزءًا أصيلاً من السيادة، فإنَّ كافة اتفاقيَّات المعابر بين مصر والسُّلطة الفلسطينية وإسرائيل باطلة طبقًا لما سلف، بالإضافة إلى قانون المعاهدات الدوليَّة لعام 1969م؛ لأن الاتفاقيَّة تتضمن تنازلاتٍ إقليميةً عن جزء من سيادة الدول، كما أنَّها تمت تحت استخدام السلاح والتهديد به.




[تحرير] محل اتفاقيات المعابر الفلسطينية من القانون الدولي:
لقد فنَّدت الدِّراسة القيِّمة للدكتور السيد أبو الخير جميع المعاهدات المبرمة مع الكيان الصهيوني، والتي تنظم مسألة المعابر، ولعل الثلاثة الأخيرة هي الأكثر جدلاً في الأزمة القائمة بين مُختلف الأطراف، وهي التي تساق كذريعة لعدم فتح معبر رفح على وجه التحديد، ومناقشتها تبيِّن في أيِّ صف يقف القانون الدولي:

1 - اتفاقيَّة المعابر الإسرائيلية الفلسطينية الموقعة في 15 نوفمبر 2005م: عقدت بين السلطة الفلسطينية وقوات الاحتلال الإسرائيلي، ومصر ليست طرفًا فيها؛ لأنها تمَّت بين طرفين: فلسطيني وإسرائيلي؛ وعملاً بمبدأ الأثر النسبي للمعاهدات الدوليَّة، الذي ينصُّ على أنَّه لا تمتد آثار المعاهدات الدوليَّة إلى غير أطرافها، فإن مصر لا تلتزم بها.


أدَّت عملية الحسم العسكري لحماس في غزَّة إلى انتهاء الاتفاقية تمامًا على أرض الواقع، بعد أن انتهت أساسًا بسبب عدم تجديدها؛ لأنه كان من المفترض أن تجدَّد كل ستة أشهر، وهذا لم يتم، فلا يجوز استمرار العمل بها، ومن الخطأ إعادة تنظيم المعبر طبقًا لها، أو بالعودة إلى ما كان عليه الوضع حسب الاتفاقيَّات الموقعة في 15/11/2005م.


فالمصلحة الفلسطينية والمصرية تقتضي تصحيح اتفاقية المعابر؛ ليصبح معبر رفح فلسطينيًّا مصريًّا، يفتح دائمًا ويسمح بحرية الحركة لأهالي غزة دخولاً وخروجًا، دون رقابة أو تدخل إسرائيلي؛ لأن هذا التدخل يعتبر انتهاكًا للسيادة المصرية والفلسطينية، فإدارة المعابر والإشراف عليها يعتبر من قبيل أعمال السيادة.


2 - اتِّفاق إسرائيلي أوروبي فلسطيني لمراقبة المعبر: وهو اتفاق لاحق للاتفاقية السابقة ومترتب عليها ومطبق لأحكامها، وهو عبارة عن تفويض إسرائيلي للاتحاد الأوروبي بأن تتولى بعثة من الاتحاد عددها حوالي 70 فردًا - نيابة عن قوات الاحتلال الإسرائيلي - المراقبة النشطة والتحقق والتقييم لأداء السلطة الفلسطينية، فيما يتعلَّق بتطبيق المبادئ المتفق عليها لمعبر رفح، أي: إنَّهم يُعتبرون عيونًا إسرائيلية على السلطة الفلسطينية.


3 - الاتفاق المصري الإسرائيلي الموقع في أول أغسطس 2005م، يطلق عليه اتفاق فيلادلفي: وهو خاص بمنطقة الحدود مع غزة، وتم توقيعه بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة، وبموجبه انتقلت مسؤولية تأمين هذه الحدود إلى مصر، ويعتبر هذا الاتفاق بروتوكولاً عسكريًّا؛ لكونه ملحقًا أمنيًّا مضافًا إلى اتفاقيات كامب ديفيد، فهو محكوم بمبادئها العامة، ويخضع لأحكامها.


وينص على: أن تتولى قوَّة من حرس الحدود المصري في المنطقة المذكورة مهامَ منع عمليَّات المقاومة الفلسطينية، ومنع التهريب عامة، والسلاح والذَّخيرة خاصة، ومنع تسلل الأفراد، والقبض عليهم، واكتشاف الأنفاق، وكل ما من شأنه تأمين الحدود على الوجه الذي كانت تقومُ به إسرائيل قبل انسحابها.


وقد حدد هذا البروتوكول القُوَّة الأمنية المصرية على سبيل الحصر، وحظر عليها إقامة أي تحصينات أو مواقع حصينة، وتخضع القوة المصريَّة لمراقبة القوات متعددة الجنسية الموجودة في سيناء منذ اتفاقيات كامب ديفيد، التي تُمارس مهامها تحت قيادة مدنية أمريكيَّة بنص الاتفاقية، وتشارك في سلسلة من اللقاءات الدورية مع الجانب الإسرائيلي؛ لتبادل المعلومات وإجراء تقييم سنوي للاتفاق؛ لبيان مدى نجاح الطَّرف المصري في مُكافحة الإرهاب - من وجهة النَّظر الإسرائيلية - ولا يجوز تعديل هذا الاتفاق إلا بموافقة الطرفين، فلكل طرف حق (الفيتو) على أي إجراء يتَّخذه الطرف الآخر، ويخضع هذا الاتفاق لبنود اتفاقية المعابر الإسرائيلية الفلسطينية، مما يعني أنه إذا أغلقت إسرائيل معبر رفح من الجانب الفلسطيني، فعلى مصر أن تغلقه من عندها.


هذا الاتفاق باطل ولا يعتدُّ به في القانون الدولي؛ لمخالفته القواعد الآمرة فيه، ومنها مبدأ السيادة؛ لأنه يُخْضع ترتيبات حماية الأمن القومي المصري والأراضي المصرية في سيناء لقوَّة احتلال هي القوات الإسرائيلية، فضلاً عن أن قوات الاحتلال الإسرائيلية لم تلتزم بها، فقد قامت بقتل العديد من المصريين على الحدود، كما أنَّه يلزم مصر باتفاقية ليست طرفًا فيها، وهي اتفاقية المعابر لعام 2005م، كما أن الالتزامات الواردة في الاتفاقية تُهدد الأمن القومي المصري بتحكم العدو في عدد ونوع القُوَّات التي توجد على الحدود المصرية.







[تحرير] القانون الإنساني فوق الاتفاقات الثنائية:
إن حجة الذين يتذرعون بإغلاق المعابر؛ تنفيذًا للاتفاقيَّات الدولية - تَبِيت واهيةً أمام نصوص اتفاقيَّة جنيف الرابعة لعام 1949م بشأن حماية الأشخاص المدنيِّين في وقت الحرب؛ حيث تنص المادة 23: "على كلِّ طرف من الأطراف السامية المتعاقدة أن يكفل حرية مرور جميع رسالات الأدوية والمهمات الطبِّيَّة، ومستلزمات العبادة المرسلة حصرًا إلى سكان طرف متعاقد آخر من المدنيين، حتَّى لو كان خصمًا، وعليه كذلك الترخيص بحرية مرور أي رسالات من الأغذية الضَّرورية، والملابس، والمقويَّات المُخصصة للأطفال دون الخامسةَ عشرةَ من العمر، والنساء الحوامل والنفاس".


وتنص المادة 59: "إذا كان كل سكان الأراضي المحتلة أو قسم منهم تنقصهم المؤن الكافية، وجبَ علي دولة الاحتلال أن تسمح بعمليَّات الإغاثة لمصلحة هؤلاء السكان، وتوفر لها التسهيلات بقدر ما تسمح به وسائلها، وعلى جميع الدول المتعاقدة أنْ ترخص بمرور هذه الرِّسالات بحريَّة وأن تكفل لها الحماية".


وتنص المادة 62: "يُسْمح للأشخاص المحميين الموجودين في الأراضي المحتلة بتلقي طرود الإغاثة الفردية المرسلة إليهم، مع مراعاة اعتبارات الأمن القهرية".


وعلى ذلك يصبح إغلاق المعابر، ومنع انتقال الأغذية والأدوية وكافة المؤن الضرورية لحياة المدنيين - هو المخالف للقانون الدولي الإنساني.


الغريب في الأمر أنَّ هذا هو ما أثبته الدكتور مفيد شهاب وزير الشؤون القانونيَّة والمجالس النيابية؛ وفقًا للهيئة العامة للاستعلامات المصرية بتاريخ 19فبراير 2008م، قائلاً: "إنَّ ما قامت به مصر من تمكين السكان الفلسطينيين المدنيين من التزوُّد بالاحتياجات الأساسية - يتَّفق تمامًا واحترامها لمبادئ القانون الدولي والاتفاقيات الدولية ذات العلاقة، وأنَّ أي محاولة من قبل دولة الاحتلال الإسرائيلي بتفسير الأمر على غير حقيقته، أو استغلاله بما يتَّفق مع أهدافها العدوانيَّة تجاه السكان المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة - هو محاولة بائسة لا يُمكن أن يُعْتَدَّ بها، ولا يُمكن أن يعفيها من التزاماتها بموجب القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني؛ لأنَّ ما قامت به إسرائيل هو دليل قاطع على وقوع كارثة إنسانيَّة في قطاع غزة، الأمر الذي تَطَلَّب تدخُّلاً للحفاظ علي حياة هؤلاء السكان المدنيين"؛ فلماذا حضرت الاستجابة للقانون الدولي الإنساني وقتَها وغابت الآن، وقطاع غزة تحت القصف الوحشي، ويتعرَّض أهله لمجازر حقيقية تستهدف تركيعه وإبادته؟!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق