الخميس، 13 مايو، 2010

عقيدة الماسادا اليهودية..أسطورة الوهم




د.احمد الشحات هيكل
المجتمع الإسرائيلى مجتمع ضعيف هش من الداخل، مثله فى هذا مثل بيت العنكبوت كما فى قوله تعالى: {وَإِنَّ أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (1) ، لكنه يحيط نفسه بقوة زائفة يستمدها من هالة الأساطير المتبددة والخيالات الواهية، ورغم أن التاريخ المدعوم بالمكتشفات الأثرية أكد أن كل هذا هو محض افتراء، إلا أن الميديا اليهودية العالمية تمتاز بقدرتها الفائقة على توظيف الأساطير سياسيًا وإعلاميًا، وتمكنت بفضل الدعاية المنظمة من توجيه صناع القرار السياسى، وتعبئة الرأى العام العالمى لصالح دولة إسرائيل.


الأساطير المؤسسة لإسرائيل
ومن الجدير بالذكر أن صناعة الأساطير اليهودية لا تقتصر على العصور القديمة فحسب، بل استمرت حتى العصر الحديث، وكان لها الفضل الكبير فى تشكيل الوعى الفردى والجمعى للجماعات اليهودية، وكان للحركة الصهيونية دور بارز فى إعادة صياغة وتوظيف العديد من الأساطير الزائفة، التى مكنتها فى نهاية المطاف من تأسيس الكيان الإسرائيلى على أرض فلسطين.


وتأتى أسطورة "شمشون"، كأحد أبرز الأساطير المؤسسة للكيان الصهيونى، وتُعد قصة هدمه لمعبد الإله داجون، أكبر معابد الفلسطينيين آنذاك، عليه وعلى رءوس ثلاثة آلاف فلسطينى دفعة واحدة من أشهر الحكايات الأسطورية رواجًا، وبذلك يسجل اليهود السبق فى أول عمل انتحارى يفتك بهذا العدد المهول من البشر. والغريب أن المصادر اليهودية تصر على تسميه شمشون بالبطل القومى، وتعده نموذجًا للبسالة والإخلاص، ورمزًا للتضحية بالذات.

ومن هنا، فلا غرابة أن يؤسس شارون وحدة عسكرية جديدة تعرف اسم "شمشون"، وهى وحدة مستعربين؛ لتمارس العنف الدموى بأقصى أشكاله البربرية ضد الفلسطينيين فى قطاع غزة إبان الانتفاضة الأولى، فى صياغة جديدة تحمل ذات الدلالات والأهداف للأسطورة القديمة، وقد تم حل هذه الوحدة فى شهر مايو من عام 1996م إثر اتفاق أوسلو.كما يستخدم اليهود هذه الأسطورة لتمجيد فلسفة الانتقام الدموى من أعدائهم بأفظع صورها، وهذا ما تؤكده المذابح الدموية المسجلة باسم اليهود عبر التاريخ البشرى، تمت أحدث فصولها بأيدى العصابات الصهيونية، ثم تحت رعاية المؤسسات العسكرية الإسرائيلية بترسانتها الضخمة. وأخيرًا وليس بآخر؛ المذبحة التى ارتكبتها قوات الاحتلال يوم 9 من يونيو 2006م فى غزة،

وراح ضحيتها سبعة من أفراد عائلة واحدة، هى عائلة غالية، بالإضافة إلى سبعة شهداء آخرين، وعشرات الجرحى من المدنيين الذين لم يقترفوا ذنبًا سوى أنهم خرجوا للتنزه على شاطئ غزة. وهناك أيضًا أسطورة " أرض الميعاد"، أو "الأرض الموعودة"، التى خص بها الرب بنى إسرائيل وحدهم دون غيرهم، فتذكر التوراة : "لنسلك، أعط هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات"، ويعلق المفكر الفرنسى "روجيه جارودى" على ذلك بقوله: "إن هذه الأسطورة لا تعدو أن تكون ذريعة للاستعمار الدموى". هذا بالإضافة إلى العديد من الأساطير القديمة مثل: أسطورة "شعب الله المختار"، وأسطورة "التطهير العرقى"، أو ما يُعرف بـ "أسطورة يشوع".


ومن الأساطير الحديثة أسطورة "الصحراء"، أو أسطورة أن فلسطين هى "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض". وتنعكس آثار هذه الأسطورة المصطنعة فى تصريحات كبار الساسة الإسرائيليين، فقد صرحت "جولدا مائير" لجريدة صاندى تايمز اللندنية فى 15 من يونيو 1968م قائلة: "لا وجود للفلسطينيين، وليست المسألة وجود شعب فى فلسطين يعتبر نفسه الشعب الفلسطينى، وليست المسألة أننا أتينا وطردناهم وأخذنا بلادهم. لا، إنهم لم يوجدوا أصلاً "، وعندما وجه "أينشتاين" سؤالاً إلى "حاييم وايزمان" - أحد قادة المنظمة الصهيونية العالمية، وأول رئيس لإسرائيل - قائلاً له: "وما مصير العرب إذا ما أعطيت فلسطين لليهود؟" رد عليه بقوله: "لا، من هم أولئك العرب؟ إنهم لا شيء تقريبًا"(2).


وبعبارة أخرى تتعامل إسرائيل مع الفلسطينيين على أنهم هنود حمر جدد؛ ليس لهم الحق فى الأرض؛ لأنها ليست ملكًا لهم، وليس لهم الحق فى العيش؛ لأنهم متوحشون برابرة؛ لذا يجب ترحيلهم أو استئصالهم، كما فعل الغرب مع الهنود الحمر، السكان الأصليين لأمريكا الشمالية.


لكن الشعب الفلسطينى يثبت على الدوام أنه لن يركع لدموية شمشون، ولن يذعن لسياسة الترانسفير القسرى، ولن ينخدع بصمود "السكاريين" وتضحيتهم الزائفة داخل قلعة الماسادا، ولن يتوقف الجهاد حتى تتحرر كل الأراضى الفلسطينية، وقد جاءت عمليات المقاومة الأخيرة لتؤكد هذا المضمون.


فقد نجحت مؤخرًا عملية "الوهم المتبدد"(التى نفذتها المقاومة الفلسطينية المكونة من كتائب عز الدين القسام وألوية الناصر صلاح الدين وجيش الإسلام، يوم 25 من يونيو 2006م، عند معبر "كرم أبو سالم" ضد قوات عسكرية إسرائيلية، وأسفرت عن قتل جنديين إسرائيليين، وأسر الجندى "جلعاد شاليط")، وعملية "الوعد الصادق" (التى نفذها مقاتلو حزب الله، ونجحوا خلالها من أسر جنديين إسرائيليين، وقتل ثمانية، وجرح نحو 21 آخرين) فى إثبات زيف الأساطير الإسرائيلية الحديثة: منْ أن إسرائيل تمتلك أحدث الوسائل القتالية ذات التقنيات التكنولوجية الفائقة، وأن لديها ترسانة عسكرية هائلة تقوم عليها وحدات بشرية قتالية مدربة على أعلى مستوى.


كما تدحض أيضًا أسطورة "الماسادا"، التى طالما تشدق بها اليهود واعتبروها رمزًا للصمود والمقاومة أمام القهر والبطش الغاشمين، وعنوانًا للتضحية فداءً للأرض، ونموذجًا مثاليًا على عزة وكبرياء اليهود ورفضهم للوقوع فى الأسر - حسبما ورد فى الأدبيات اليهودية.

أسطورة الماسادا فى المصادر اليهودية
"الماسادا" كلمة عبرية تعنى الحصن أو القلعة، وهى قلعة قديمة اكتشفت عام 1842م فى جنوب شرقى فلسطين على قمة جبل صخرى (يُعرف فى المصادر العبرية بتل ماسادا، بينما يُعرف فى المصادر العربية بتل مصعدة، أو مسعدة، أو سبَّة)، وهو جبل منعزل فى الطرف الشرقى لصحراء البحر الميت(3). وتتميز هذه القلعة بحصانة طبيعية، فالجبل المقامة على قمته القلعة حاد الجوانب، فالجانب الشرقى للقلعة يصل ارتفاعه لنحو 450 مترًا، بينما الجانب الغربى 100 متر، ويبلغ طول القلعة نحو 600 متر، وعرضها يتراوح بين 130- 240 مترًا، ويرتفع الجبل عن سطح البحر الميت بنحو 462 مترًا،

وينعزل عن المناطق المحيطة به بوديان عميقة، والمسالك الطبيعية المؤدية إلى القلعة وعرة للغاية، ومعقدة جدًا، كما أن القلعة محاطة بأسوار طولها 1400 متر، وسمكها أربعة أمتار، وتعلوها العديد من الأبراج، ومزودة بمخازن وآبار من مياه الأمطار؛ لذا أصبح الموت الأكيد هو المصير الذى ينتظر الأعداء الذين يستهدفون الوصول إليها.


وطبقًا للمعلومات التى أوردها المؤرخ اليهودى يوسيف بن متتياهو 37 م - 101م (المعروف فى المصادر الغربية باسم يوسيفوس فلافيوس) فإن هوردوس (74- 4 قبل الميلاد)، الذى حكم مملكة يهودا منذ عام 37- 4 قبل الميلاد، هو من بنى هذه القلعة بين سنتى 37 - 31 قبل الميلاد وزودها بالمياه ومستودعات الذخيرة والأغذية، وأقام لنفسه هناك قصرًا فاخرًا، بينما يعتقد بعض من المؤرخين أنها بُنيت قبل هذا التاريخ.


وتحكى أسطورة "الماسادا" اليهودية - كما تقدم للتلاميذ الإسرائيليين فى الكتب المدرسية - أنه فى عام 66م عند بداية التمرد اليهودى ضد الحكم الرومانى الظالم قامت جماعة من اليهود "الثوار" - تُدعى السيكاريين(4)- بالهروب من القدس والاستيلاء على قلعة الماسادا من الحامية الرومانية. وفى عام 70م انضمت إليهم مجموعة أخرى من "السيكاريين" وأسرهم ممن فروا من القدس قبل سقوطها فى يد جحافل الجيوش الرومانية، وتحصن "السيكاريون" بالقلعة تحت زعامة "إيليعيزر بن يائير".


وعندما علموا بزحف الرومان نحوهم قرروا القتال حتى الرمق الأخير دفاعًا عن قلعة (الماسادا) ضد الجيوش الرومانية التى ضربت حصارًا مميتًا حول هذه القلعة، ولم يستطع أحد الهروب منها. وكان عدد هؤلاء اليهود "960" شخصًا، بينهم نساء وأطفال، واستمرت هذه الجماعة فى مقاومة الرومان طوال ثلاث سنوات، أى حتى عام 73م، وعندما أيقنت الجماعة اليهودية المقاومة خسارتها لا محالة وعدم قدرتها على الصمود، وأنه لم يبق أمامهم؛ إما أن تلحق بهم هزيمة نكراء على يد الرومان ويقتلوهم شر قتلة، أو يأخذوهم كأسرى حرب، عندئذ عمد جميع أعضائها إلى حرق كل شيء داخل القلعة، ثم الانتحار الجماعى كى يحفظوا كرامتهم،

فالموت عند اليهودى أهون من أن يُذل ويُصبح عبدًا - هكذا تقول الأسطورة.
وقبل انتحارهم ألقى فيهم زعيمهم "إيليعيزر بن يائير" خطبته الحماسية العصماء حثهم فيها على الموت الجماعى بدل الاستسلام والسقوط فى مهانة الأسر، وقال فى مطلعها: "لن نكون أبدًا خدمًا للرومان، ولا لأى أحد غيرهم سوى الله نفسه، فهو الحق والعدل، وهو رب البشرية جمعاء". وبحسب شهادات شهود العيان - سجلها يوسيف بن متتياهو - فإن الرجال قتلوا زوجاتهم وأبناءهم، ثم اقترع الرجال ليختاروا عشرة من بينهم ليقتلوا باقى الرجال، وبعد ذلك اختاروا منهم شخصًا يغمد سيفه فى رفاقه التسعة الباقين، حتى وصل الأمر إلى آخر شخص يهودى، فقتل نفسه قبل اجتياح القلعة بالكامل.


ولم يبق من قرابة الألف يهودى الذين تمترسوا بين جدران الماسادا سوى سبعة من الأطفال والنساء (امرأتين وخمسة من الأطفال) اختبأوا فى قناة للمياه. وقدر لهم أن يعيشوا ليسردوا حكاية الماسادا التى ما لبثت أن أصبحت رمزًا لسلوك التضحية والإخلاص بين اليهود.


توظيف الصهيونية لأسطورة الماسادا
بداية تجنبت الصهيونية الترويج للعديد من الأساطير التوراتية التى لا تتماشى مع طابعها الأيديولوجى، وترفض تحقيق الخلاص البشرى فى انتظار ظهور المسيح المخلص، بينما فى المقابل راحت الصهيونية تعيد صياغة بعض هذه الأساطير الأخرى بما ينسجم مع أهدافها.


وقد جاءت قصة "الماسادا" لتلبى حاجة الحركة الصهيونية فى إقناع اليهود بأن أجدادهم قد فضلوا الموت على التخلى عن الأرض وعلى الوقوع فى ذل الأسر، كما أنهم كانوا رمزًا للشجاعة والمقاومة، ويُعد "ميخا يوسيف برديتشفسكى"(5) أبرز من روج لقصة "الماسادا" كنموذج للبسالة فى القتال والإخلاص المتفانى دفاعًا عن الأرض، بينما يعود الفضل لشميريا جوتمان(6) فى انتشار هذه الأسطورة بين الشباب اليهودى فى فلسطين.


ومن الجدير بالذكر أن حكاية "قلعة ماسادا" ظلت أشبه بالحلقة المفقودة فى التاريخ اليهودى لعدة قرون، إلى أن جاءت ترجمة الدكتور "يعقوف نفتالى سمحونى" - الصادرة فى وارسو عام 1923م - لكتاب "حرب اليهود ضد الرومان" للمؤرخ اليهودى "يوسيف بن متتياهو"، ليكون لها دور فاعل فى تذكير الجاليات اليهودية بهذه الأسطورة، ثم تبعتها قصيدة شعرية طويلة بعنوان "ماسادا" للشاعر اليهودى "يتسحاق لمدان(7)"، نُشرت على أجزاء خلال عامى 1923 - 1924م،

ثم نشرت كاملة عام 1927م، ووصف لمدان فيها بأسلوب درامى الصعوبات التى يواجهها مهاجرو الهجرة الصهيونية الثالثة(8) من إحساس باليأس والتشتت، وشعور بالدمار النفسى والحيرة، مجسدًا معاناة اليهود المعذبين الذين يعانون من عالم يسيطر عليه الأعداء، مشيرًا إلى أن الماسادا هى رمز لخلاصهم. وقد تحولت الماسادا فى إثر هذه القصيدة إلى رمز لجيل كامل، وأضحت أسطوة مركزية فى الذاكرة اليهودية.


ويُقال: إن قصيدة "لمدان" هى التى ألهمت اليهود أكثر من أى نص آخر أثناء انتفاضة "وارسو" التى اندلعت فى أغسطس من عام 1944م ضد القوات الألمانية. ثم بدأ الإسرائيليون يركزون على هذه الحلقة الضائعة من تاريخهم اليهودى معززين هذا التأكيد بالمكتشفات الأثرية.


وقد اضطر خبراء التاريخ والميثيولوجيا الإسرائيلية لإحياء هذه الأسطورة من جديد عندما أخذت الجيوش الألمانية فى التقدم فى شمال أفريقيا خلال الحرب العالمية الثانية، الأمر الذى أثار مخاوف اليهود فى فلسطين من وصول الألمان إليهم، لذلك شرعوا بالترويج لحكاية قلعة "ماسادا" من جديد لرفع معنويات اليهود ودعوتهم للموت بشجاعة، رافعين شعار "الماسادا لن تسقط ثانية".

وقد استغلتها حركات الشبيبة الصهيونية كمزار لصياغة هوية أعضائها من الصبية اليهود، ونظمت فيها ما يمكن وصفه بأنه عملية غسيل دماغ مروّعة؛ بحيث تدفعهم ليؤمنوا فعلاً بأن الموت أو الانتحار الجماعى هو أفضل من الاستسلام والخضوع للمُحتلين. كما تأسست فى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1940م منظمة "ماسادا" للشبيبة الصهيونية، نشط بعض أعضائها فى الاستيطان اليهودى فى فلسطين.


واستخدمت العصابات الصهيونية المسلحة، خاصة قوات البلماح، خلال العقد الرابع من القرن العشرين موقع قلعة "الماسادا" كمركز للتدريب على السلاح، وهى وسيلة صهيونية أخرى لتوظيف أسطورة "الماسادا" فى دعم وتأسيس حركات العنف والإرهاب.


كما تبنت بعض الجماعات الصهيونية المتطرفة فلسفة "السيكاريين" فى إرهاب الآخر، لدرجة أن بعضهم أطلق اسم "السيكاريين" على جماعتهم، ومن أبرزها الخلية اليهودية السرية التى خططت لتفجير المسجد الأقصى فى سبعينيات القرن العشرين.


وقد أشارت صحيفة "يديعوت أحرونوت" فى عددها الصادر يوم الجمعة 14/ 5/ 2004م، إلى وجود وحدة قتالية جديدة تدعى "ماسادا" - تأسست فى نهاية عام 2003م - تعمل داخل السجون الإسرائيلية وتهدف إلى قمع المعتقلين الفلسطينيين والعرب فى السجون والمعتقلات الإسرائيلية المختلفة، وتخليص الرهائن من أيدى السجناء، والسيطرة على مجريات الأحداث داخل السجون عند حدوث أى أعمال شغب من قبل السجناء.


وحديثًا جرى تحويل أسطورة الماسادا من رمز لأيدولوجيا قومية مركزية إلى معلم سياحى لتحقيق منافع اقتصادية، فقد أضحت قلعة "الماسادا" تحتل حاليًا المرتبة الثانية كأشهر موقع أثرى سياحى فى إسرائيل بعد الحائط الغربى - حائط المبكى فى المصادر العبرية - للحرم القدسى، بعد أن قام سلاح الهندسة الإسرائيلى بإعادة ترميم القلعة، وفى عام 1971م تم تشغيل قطار هوائى من الجانب الشرقى للجبل، ومنذ عام 2001م أعلنت هيئة اليونيسكو القلعة موقعًا أثريًا ينتمى للتراث العالمى.
ويتضح من كل هذا أن "الماسادا" أصبحت جزءًا لا يتجزأ من المفردات المركزية المكونة للهوية الفردية والجمعية للأجيال اليهودية، وعنصرًا رئيسًا من الأساطير الصهيونية المؤسسة للكيان الإسرائيلى.


زيف أسطورة الماسادا
أثبتت العديد من أعمال الحفائر الأثرية فى مختلف أنحاء فلسطين خلال الثلث الأخير من القرن العشرين أن ما يتردد عن أمجاد إسرائيل القديمة فى فلسطين هو محض افتراء وكلام زائف؛ لانعدام الأدلة الأثرية الدامغة. فحتى الآن لم يتم العثور على آثار المملكة الموحدة لداود وسليمان، ولا حتى على بقايا هيكل سليمان المزعوم.


ونتيجة لذلك ظهرت مجموعة من الباحثين الإسرائيليين تؤيد الاعتماد على الحقائق العلمية والموضوعية، وعدم الاكتراث بالدعاوى الصهيونية الساعية لتهويد كل أثر فى فلسطين، وهو ما يعرف بتيار المؤرخين الجدد، وقد أعلن هذا التيار تفكيكه وتفنيده لأسطورة "الماسادا"، استنادًا على البحوث الآثارية (الأركيولوجية) الحديثة، فيرى "نحمان بن يهودا" - أحد أبرز المؤرخين الجدد فى إسرائيل، وأستاذ علم الاجتماع فى الجامعة العبرية - أن هذه المجموعة من الأبطال لم يكونوا سوى (عصابة من القتلة الأشرار وقطاع الطرق) من الخارجين عن القانون، الذين كانوا يرهبون سكان المنطقة حتى من اليهود؛ لذا طردهم اليهود أنفسهم من القدس قبل فترة طويلة من الاجتياح الرومانى للقدس على يد "تيتوس".


وهناك مصادر تنكر تمامًا أنهم خرجوا من القدس؛ لأنهم لم يكونوا من سكانها أصلاً، وقد اتخذوا من قلعة "ماسادا" (خلال هذه الفترة الفاصلة بين طردهم وبين تدمير الرومان للقدس) مقرًا لهم لشن غارات على سكان المنطقة وعلى القرى اليهودية والحاميات الرومانية، وارتكبوا خلالها مجازر بشعة بحق السكان، واستند "نحمان" فى افتراضاته على ما ذكره المؤرخ" يوسيف بن متتياهو"، وأغفلته الحركة الصهيونية عن عمد، من أنه لم تجر معارك لمدة ثلاث سنوات حول "الماسادا"، باستثناء فرض الحصار الذى بدأ عام 73م بقيادة الحاكم الرومانى "فليبيوس سيلفا" وبمعاونة الفيلق الرومانى العاشر،

كما لا توجد أدلة على وقوع معارك بين اليهود والرومان خلال الحصار القصير الذى دام ما يقرب من شهرين إلى ثلاثة أشهر فقط، وأنهم قد انتحروا خوفًا من انتقام الرومان إن أسروهم بسبب جرائمهم.وهكذا نجح اليهود كعادتهم فى تطبيق نظرية "التاريخ المعكوس"؛ حيث حولوا "الماسادا" من قصة جماعة إرهابية إلى أسطورة بطولية، لتكون حلقة من حلقات اختلاق التاريخ.ويكشف "نحمان" أن "برنارد لويس"، المستشرق اليهودى البريطانى المعروف، أنكر بشدة من قبل وقوع قصة "الماسادا"، وأكد أن توظيف أكذوبة قلعة "الماسادا" كان مقصودًا لإضفاء الشرعية على استخدام إسرائيل للعنف.
وبعيدًا عن المكتشفات الأثرية، لا تنطوى سمات الشخصية الإسرائيلية - من قريب أو حتى من بعيد - على مثل هذه الصفات، لكن العكس هو الصحيح، فالجندى الإسرائيلى لم يثبت أية شجاعة قتالية خلال حرب 1973م مثلاً،

بل سيطرت حالة من الخوف والهلع على الإسرائيليين أثناء الحرب وفى أعقابها، كما سجلت وسائل الإعلام المختلفة حالات عديدة لفرار جنود إسرائيليين من الخدمة العسكرية فى جنوب لبنان، أو رفض الخدمة فى المناطق الفلسطينية المحتلة.وأكدت العديد من الأحداث المعاصرة زيف أسطورة "الماسادا" أسطورة الصمود والمقاومة على مستوى الدولة أيضًا، والمتمثلة فى الهرولة الإسرائيلية فى عهد "إيهود باراك" للخروج من الجنوب اللبنانى فى 2000م، وتطبيق شارون عام 2005م لخطة فك الارتباط عن قطاع غزة - بعد أن صادق عليها الكنيست فى مطلع عام 2004م - فى خطوة تماثل الانسحاب الإسرائيلى من جنوب لبنان. وإذا كانت مثل هذه الأحداث تثبت زيف أسطورة الماسادا وغيرها من الأساطير الإسرائيلية الواهية،

فإنها تثبت من جانب آخر فشل الصهيونية والآباء المؤسسين فى تأسيس كيان حقيقى، وليس مجرد وهم متبدد.وحاليًا تؤكد الأحداث أن إسرائيل تبنى لنفسها "ماسادا" جديدة، أو ما يسمى بالجدار العازل؛ لتتخذه وكرًا تنطلق منه للاعتداء على الآمنين وترويعهم، ولتتحصن بين أسواره العالية، هربًا من المقاومة الباسلة، وخوفًا من أطفال الحجارة الفلسطينيين.والسؤال الأخير: هل اقتربت اللحظة الأخيرة التى ستقدم فيها إسرائيل على الانتحار الجماعى بين أسوار "الماسادا" الجديدة، كما فعلت جماعة "السيكاريين" داخل "الماسادا" الأولى؟0


اذن:
ـ قصة الماسادا جاءت لتلبى حاجة الحركة الصهيونية فى إقناع اليهود بأن أجدادهم فضلوا الموت على التخلى عن الأرض
ـ الحركة الصهيونية تجنبت الترويج للعديد من الأساطير التوراتية التى لا تتماشى مع طابعها الأيديولوجى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
(1) الآية: 41 من سورة العنكبوت.
(2) روجيه جارودى، الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية، دار الغد العربى القاهرة، 1996م.
(3) وهى ما تعرف فى المصادر العبرية بصحراء يهوذا، وتقع جنوب الضفة الغربية وشمال النقب على مشارف البحر الميت.
(4) السيكاريون-sicarii: مشتقة من كلمة "سيكا- sica " اللاتينية، وتعنى الخنجر الصغير، وسميت الجماعة بهذا الاسم، أى حملة الخناجر؛ لأن أفرادها كانوا يخفون الخناجر بين ملابسهم. ثم يستلونها لقتل ضحاياهم. وكانوا يستغلون فترة الأعياد بصورة خاصة لممارسة إرهابهم، وكان من أبرز ضحاياهم الكاهن اليهودى الأكبر يوناثان.
(5) ميخا يوسيف بن جوريون (برديتشفسكى): ولد فى أوكرانيا عام 1865م وتوفى عام 1921م، وهو أديب ومفكر يهودى بارز دعا لإحداث تغييرات فى قيم الفكر اليهودى، له مؤلفات بالعبرية والييديشية والألمانية.
(6) شميريا جوتمان: ولد فى اسكتلندا عام 1909م لعائلة ذات أصول روسية، وتوفى فى إسرائيل عام 1996م، هاجرت أسرته إلى فلسطين عام 1912م، كان من الرعيل الأول لحركة الشباب العامل الصهيونية، أسس خلال عامى 1942- 1943م خلية سرية يهودية فى العراق اختصت بتدريب اليهود على العمليات العسكرية وإعدادهم للهجرة، كما كان من بين القادة الأوائل لوحدات المستعربين فى الضفة، وهو خبير بارز بالأماكن الجغرافية والأثرية فى فلسطين، خاصة قلعة الماسادا التى زارها لأول مرة عام 1933م، وله العديد من المؤلفات والأبحاث فى هذا الشأن.
(7) يتسحاق لمدان: 1899- 1954م، من أبرز الشعراء اليهود الذين كتبوا بالعبرية، ولد فى أوكرانيا، هاجر إلى فلسطين عام 1920م، ويُعد من أفراد الهجرة الصهيونية الثالثة، ومن الآباء الثلاثة المؤسسين للشعر العبرى الحديث فى فلسطين (وهم: لمدان، وأفراهام شالونسكى، وأورى تسفى جيرينبرج).
(8) دأبت الكثير من المراجع المختصة بدراسة الهجرات الصهيونية إلى فلسطين على تقسيم الهجرات الصهيونية لعدة مراحل، كان لكل مرحلة أسبابها ودوافعها وخصائصها، فهناك الهجرة الأولى (1882- 1903م)، والثانية (1904- 1918م)، والثالثة (1919- 1923م، والرابعة (1924- 1932م)، والخامسة (1933- 1939م)... وهكذا.<
مدرس الأدب العبرى الحديث والمعاصر بجامعة المنوفية

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق