السبت، 1 يناير 2011

أسرى الذكرى






أسرى الذكرى



براء نزار ريان

01/01/2011
سأغمض عيني علىذكرياتي *** وأحيا بها فهي كل حياتي!


ما أصعب تلك الأيام.. تتنافس أصوات القصف وسيارات الإسعاف وأخبار النعي أيها يطرق أذنك أولًا!
والواعية لا تستطيع مواكبة الأسماء التي ترد تباعًا من أحباب وإخوانوأصدقاء وجيران وزملاء ورفاق درب!
الحياة صعبة.. مجرد أنتحيا كان مقاومة وجهادًا! أن تأكل أو تشرب أو تنام أو حتى تقضيحاجتك!
سادس أيام الحرب، بين الظهر والعصر، قلت لها: أريد أن أجمع ساعتي نوم .. إياك أن توقظيني مهما كان! أريد أن أنام!
نمتُ وكنت أشعر بالقصف فيجميع أنحاء مخيمنا، ودارُنا تميد وتترنح مع كل ضربة، كأنما ترتعد خوفًا أو تتضامنمع ما يقصف من بيوت!
لم يطل نومي، عادت أم إبراهيم لتوقظني، قالت لي: أمكبالداخل .. تريد أن تسلم عليك!
قلت: ألم أنبهك.. يغفرالله لك!
قالت: إن عمتي قالت بنص العبارة: "تعبان مش تعبان .. قوميه! بدي أسلم عليه"!
قلت في نفسي: يا فتى! الدنيا حرب.. لعل الليلة القادمة تكون لك الأخيرة.. قمسلم!
فقمت.. سلمت يرحمها الله وقبلتني قبلتين، لن تنساهما وجنتاي حتى يذوبافي التراب!
قاسمتها كوب الشاي، وتبادلنا الحديث.. حدثتها عن غسانوجهاده وإصراره على الرباط أيام الحرب كلها.. فترضت عليه ودعت له بخير.. ثم قلتلها: طار النوم من عيني.. ونفد الغاز لدي .. سأخرج لشراء "بابور"..
قالت: الله يرضى عليك يما.. بدي إياك هيك.. ماشية بغاز أوبكاز!
فكانت آخر نظرة نظرتُها من أمي يرحمهاالله!
في طريقي مررت بعمي .. سبقني في نية شراء "بابور" فأحببت أن نشتريسويًا..
قال لي: اجلس! انتظرنيدقائق..
وبينا أنا جالس أنتظره سمعت قصفًاقريبًا..
نظرت من الشباك وبيتنا يبعد عن بيت أهلي خمس دقائق.. فرأيتالقصف ناحيتهم.. أحثثت خطوي نحوهم وفي بالي فكرةواحدة:
يجري علي ما يجري عليهم!
كان قصفًا جزئيًا بصواريخ "الزنانة"! ولما صرت بعيدًا عن البيت نحوًا من مائتي متر ارتجت الأرض تحت قدمي ودوىصوت انفجار لم أسمع له من قبل مثيلًا.. وعلا الحارة سحابة من غبار كأنما هبطت منالسماء!
انقبض قلبي وصرت أجري .. لم أكن أحسنت ارتداء ثيابي .. فمرضت من تلك اللحظة .. وسرت في جسدي الحمى!
لما صرت على مقربة من بيتأهلي عثرت بمحمد.. فقلت: الخبر؟
قال: والدي في المنزل.. أهلي كلهم فيه!
كلمته لحظة القصف.. قال لي: "احنا مش طالعين.. احنامستشهدين.. أشهد ألا إله إلا الله.. وأن محمدًا رسولالله"!
أسرعت جريًا نحو المنزل.. وكان الناس على أطراف الشوارع المؤدية إليهينظرون ولا يقدمون!
فدخلتُ وخلفي الناس.. كنت أبحث عن حي! قلت في نفسي: إنعثرت بأحدهم حيًا فكلهم أحياء وإن عثرت به شهيدًا فكلهم شهداء! لا يتركونبعضهم!
فلما درت حول المنزل.. وجدت والدي! محطم الرأس ممددًا بين الركام بعضهفيه وبعضه خارجه!
أمسكتُ بيديه.. لم يبردا بعد! شعرت بيديه يحتضنان يدي! يدفئان روحي! ويكلماني!
أما أنا فكان جوابي: اللهيسامحك يابا!
والناس من حولي يهتفون: والدك ليس بالمنزل.. وأنا أحلفلهم: "والله هادا أبوي"!
رفعت يده اليمنى.. فإذا في حجره أسامة! آه يا أسامة الصغير لم يفرق بينكماالصاروخ! كان والدي يقبض على رأس أسامة بيده.. وبين رجليه رجلا أسامة!
تناول الناس الجثمانين فقلت لهم: أروني وجه الصغير! إي وربي لقد كانأسامة! ولم تمنع يد والده الكبيرة شظيتين أن تخترقا جبينه! فأغرقتاهبالدم!
إلى جواره كانت آية! كالبدر تمامًا وجمالًا! لم تكمل الثانية عشرة فلمتلبس الجلباب والحجاب! لا عجب.. رباها والدها أن تكون كبيرة! قلت: الله يرضى عليكيا أختي يا آية!
وإلى جوارها أمها.. كان حجابها قد انكفأ فغطى وجهها.. بيديوالله كشفت عن وجهها حتى أرى من تكون القتيلة؟! فكأنما أضاء.. وكان خداها طريينكأنما هي نائمة! قلت: الله يرحمك يا خالتي!
في حجرها كان أسعد ذيالعام الواحد! لم يفطم بعد من حليب أمه.. ولا مندمها!
على شرفة المنزلالمقابل رأيت جثامين أطفال! كانت الجثامين في المكان أكثر من أتفحصها قبل أن تنقلللمستشفى.. فقلت: خذوني إلى المستشفى.
وهنالك عثرت ببعض من لمأر! وقفت على باب ثلاجة الموتى.. وكانت الجثامين تفد إليها لا تنقطع.. وما فيها غيرحبيب!
على البعد رأيت الناس يحملون جثمانًا .. يسيرون به نحوي أو نحو الثلاجة! قلت في نفسي: هذه أمي.. إنها والله أمي.. وتساءلتُ ألم أتركها في بيتنا! كيف وصلتدار أهلي؟!
فلما وصلوا باب الثلاجة.. قلت: أريد أن أتعرف عليها.. إيوربي كانت أمي.. بجلبابها وحجابها وتحت الجلباب جلابية.. وتحت الجلابية بنطال.. وتحت البنطال بنطال! قلت: رحمة الله عليك.. سترك الله في الدنيا والآخرة! حيةوميتة!
كل ما مر على قلب آدمي من مشاعر الاستغراب والعجب وتكذيب ما يرى الناظرلم يكن كمثل ما حل في قلبي، قلت في نفسي: أيحدث مثل هذا فيالدنيا؟!
أيحدث مثل هذا!
هنالك كنت أبحث عن حي.. فلم أجد.. فقلت لمن حولي: أريد بلالًا!
طيلة عمري كنت أحسب أننيأَجلَدُ من بلال وأشد! يغفر الله لي! وعند الشدائد تتميز معادن الرجال! لقد رأيته.. أكبر مني كما كان دائمًا وأقوى كما لم أتوقع..
احتضنني كوالدٍ وقال ليوالدموع تخنقه: الرجال مواقف! وقد كان والدي رجلًا! عاش رجلًا وكذلكمات!
لكنه لما فُتح باب الثلاجة أمامه عَقرَ فما أقلتْهُ قدماه.. وقعد علىبابها لا يقوى على القيام!
ورأيت محمدًا.. لم أر فيجسده الضخم إلا وجه طفل يتيم!
اشتعلت في جسدي الحمى! وشعرت بالألم في قلبي.. قلبي الذي في صدري! وحينها فقط .. عرفت تفسير قوله تعالى: "وأصبح فؤاد أم موسى فارغًا"! إي وربي عرفت تفسيرها أو هوعرفني!
أخذوني إلى دارسيدي (جدي لوالدي أبو زياد رحمه الله) وفي المتر الأول من باب العمارة كان كل أهلهاينتظرون الخبر! فلما رأوني قالوا:
إيشيا براء؟
قلت: كل أهلي ماتوا!
لم يصدقوني.. قالوا: مين يعني؟
قلت: كل أهلي.. كلهم.. كلهم!
قالوا ثانية: مين؟ فقلت فيما يشبه الهذيان: أبوي مات! إمي ماتت! غسانمات! عبود مات! مين بدكم كمان؟!
لم يصدقوا وتهامس القوم: إنه يهذي!
ليلتها تكلمت في الجزيرة.. قلت للناس: في أي عالمنعيش.. وإلى أي أمة ننتمي .. حتى تهدردماؤنا بهذه الطريقة؟
وجوابها: في عالم حقوقالإنسان نحيا.. وإلى أمة قال نبيها: "لا يُطَل دمُ مسلم قط"! (يعني: لا يُهدر) ننتمي!
بت ليلتها .. الدموع تحرق وجهي.. والعبرات تخنقني ومن حولي زوجتيوولداي.. لأول مرة يراني إبراهيم أبكي.. بكاء ليسكالبكاء!
كان الطفل مذهولًا.. يسألني بكل براءة: ليش بتصيح يابا؟
وأنا أجيب بسذاجة: عشان أهلي ماتوا!
ثاني يومٍ قالت لي ولاء: إياك أن يدفن أهلي دون أن أودعهم!
قال لي الناس: لا ينبغي أنتسمع كلامها! لا يحسن بها أن تراهم! غير أنني آثرت أن أسمع لها والأمر إن تم فلامرد له! ولا خط رجعة!
فوعدتها وكنت عندوعدي!
وفتحت لها باب الثلاجة على ستة عشر إنسانًا هم أحب الناس إليها وأقربهمإلى نفسها والد ووالدة وخمسة إخوة وست أخوات كلهن أصغر منها تركنها وحيدة كما كانتبداية فهي كبرى البنات! وثلاث خالات كن أمهات!
أذكر إذ أعرفها بهم وهيبهم أعرف! وأقول: هذه أمي يا ولاء وهذا عبود.. أترين أسعد؟! إنه نائم! انظري آيةكأنها صبية كبيرة أو عروس!
فما سمعتها قالت كلمة لاترضي الله! بل ما كان قولها إلا:
لا أقول إلا كما علمتنيأمي: الحمد لله ويا الله الصبر!
وخرجت بها من الثلاجةتتهادى متكئة علي والناس من حولنا ينظرون! هذه تقول: الله يصبركم يا خالتي! وآخر لايدري ما يقول أو يفعل!
صغرت من حولي الأشياءلحظتها فما كنت أرى إلا ولاء.. أو عيني ولاء قد بدتا من النقاب محمرتين باكيتين! كانتا والله أكبر من أي شيء في العالم لحظتها! بل أكبر من العالم.. لم أر غيرهما.. لم أر!
بعد ساعة كانت الجنازة.. وفي ساحة المسجد المهدوم اجتمع الناس.. رأيتأبا مصعب فوق سيارة الإذاعة رغم الخطر الشديد يخطب في الناس.. أراه! عيناه الحزنووجهه الغضب ولا أسمع من كلامه شيئًا.. غير أنني أذكر أنه قال: إن شيخنا هو من أشعلالانتفاضة الأولى!
وكان يوم جمعة فخطبنا أبو البراء، فلم أع مما قال شيئًاغير أنني أذكر أنه لما كان يتحدث عن الوالد وهو بين يديه مسجًى يقول: كان شيخنا! فلفتني كلمة كان! وحمدت للرجل أنه يقول شيخنا مع أنني أعلم أنه قرينه وزميله، وقدقال لي والدي مرة: كان أبو البراء أعلانا فيالدرجات!
صغرت الدنيا ثانية أمامي.. ولم أر إلا جثامين أهلي! عنيميني أمي وعن يساري أبي وبين يدي عبود وعلى مقربة غسان ومن حولهما حليمة وريم وغيربعيد آية ومريم!
ندبتهم كما كان يفعل العرب! كان مما قلت: هذا عبود .. كانوالله مؤدبًا .. كان مطيعًا!
وهذه حليمة عمرها خمسسنين.. كانت والله مدلعة! وكانت تخاف! أتراها خافت الصاروخ! وقلت: هذه ريم تصغرحليمة قليلًا! كانت ذكية مدبرة.. تفهم كالفتاةالكبيرة!
أشفق علي جدي أبو ماهر! وقال لي: نعرفهم يابراء!
كنت أنتقل بينهم لا أصدق أنها نظراتي الأخيرة! ولا أقنعُ أن تكون قبلاتيالأخيرة! احتضنت والدي.. وقبلت يده.. مرغت وجهي عليها.. بللتها بدموعي.. وما أبعدنيعنها إلا الناس!
كانت باردة يابسة ولطالما قبلتها دافئةناعمة!
مر عامان..
وكلما خلوتُ بنفسي.. واستعرضت ما يسميه الناس شريط الذكريات لم أر إلا نظرات أمي وخطواتي نحو بيت أهليويدي والدي الدافئتين وليس فيه النفس! وجبين أسامة المضرج بالدم.. وحجاب آية ووجهأمها وجلباب أمي واحتضان بلال وكلمات ولاء وبكاء محمد وذهول جدتي أم زيادو….
مر عامان .. وشيءٌ في لم يغادرني خلالهما ولو للحظة.. حين أقرأ .. حين أكتب .. حين أسمع.. حين أحضر.. حين أحاضر.. حين أَدرُس.. حين أُدَرس.. حين أفرح .. حين أحزن.. حين أضحك.. حين أبكي.. حين أفتر.. حين أقوم.. حين أصوم.. حين أصلي.. حين ألهو.. حين أعمل.. حين أفرغ.. حين أجالس .. حين أخلو .. كلحين..
شيء يهتف في.. يصرخ في أعماقي:
مهما فعلت وأين ذهبت ومتى عشت .. لست إلا هذا..
هذا الثاكل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق