الأربعاء، 12 أكتوبر 2011

وتبدد الوهم....قراءة في الصفقة





إبراهيم شكارنة

لعل انجاز صفقة التبادل بين المقاومة الفلسطينية ودولة الاحتلال يعتبر من اللحظات الفارقة في تاريخ القضية الفلسطينية وقضية الأسرى بالذات، وذلك من جوانب كثيرة ؛ لعل أبرزها أنها جاءت بعد مخاضات عسيرة جداً وجولات طويلة من التفاوض المضني – كما أشار قادة المقاومة - ثم إنها لبت معظم مطالب الآسرين، حيث صرح أحد قياداتهم أنها لبت 99% من مطالبهم التي قدموها في أول جولات للتفاوض، وثبتوا عليها حتى تحققت في الاتفاق الأخير.

ثم إن هذه الصفقة تأتي لتكسر ما كان يعتبره الاحتلال من المحرمات من حيث معايير اختيار الأسرى الذين ستشملهم الصفقة ؛ حيث لم يكن الاحتلال يوافق أن تشمل الصفقة من يصفهم بـِ " الملطخة أيديهم بالدماء " في إشارة لمن قتلوا إسرائيليين أثناء عمليات المقاومة ، ومن المحرمات التي كان يرفض الاحتلال تجاوزها هو أن تشمل الصفقة معتقلين من القدس وال 48 والدوريات والجولان المحتل ، وها هي الصفقة تحتوي أسرى من الضفة والقطاع والقدس وال48 والدوريات والجولان المحتل ، وتشمل 350 من المؤبدات بينهم متهمون بقتل إسرائيليين .

وتأتي هذه الصفقة كذلك لتفضح وتكشف حجم التواطؤ الذي كان يمارسه النظام البائد في مصر ومن لف لفيفه ؛ حيث ساهموا في إفشال إنجاح الصفقة قبل أكثر من عام حتى لا تعد نصراً للمقاومة ،مما دفع نتنياهو حينها لأفشال الاتفاق في اللحظات الأخيرة حيث كانت الظروف مواتية لذلك ، وقد ظهر جلياً أن تغير الدور المصري ، وجدية الوسيط الألماني كان لهما بالغ التأثير باتجاه إتمام الصفقة .

وتأتي الصفقة متزامنة مع ثورات الربيع العربي ، وكأنها أحد نتاجات هذه الثورات التي لا زالت تعيد تشكيل الخارطة من جديد ، بعد أن بعثرت التحالفات وخلطت الحسابات ورسمت شكلاً جديداً للمنطقة ، بل للعالم بأكمله ولا تزال، ولعل هذا التغير جعل دولة الاحتلال تعيد تغيير رأيها في الصفقة بعد أن أفشلها نتنياهو قبل حوالي العام .

وتأتي الصفقة كذلك لتعبر عن حجم الأزمة التي يعيشها الاحتلال ، والتي تشتد يوماً بعد يوم ، حيث فشل الاحتلال في حربين لاستعادة جنوده من أيدي المقاومين في لبنان وفي غزة ، وخسر أكبر حليف عربي له نتيجة ثورات الربيع العربي، ولا زالت قضية شاليط تتفاعل في المجتمع الإسرائيلي بشكل سلبي على كل الحكومات السابقة ، فكان لا بد لنتنياهو من الرضوخ لشروط الآسرين الذين أبدوا صلابة منقطعة النظير مع الصبر الذي تحلوا به طيلة جولات التفاوض ،

ولسنا ننسى أن هذه الصفقة تأتي وقد أثبت الأسرى في سجون الاحتلال، أنهم ماضون في طريقهم لتحقيق مطالبهم وتحصيل حقوقهم ، حيث يخوضون إضرابهم المفتوح عن الطعام بصبر وثبات وإصرار ، مما أربك حسابات الإحتلال ووضعه في موقف صعب لا زال يحاول الخروج منه بأقل الخسائر .

إن هذه الصفقة تعتبر منجز وطني بامتياز ، وإنجاز نوعي للمقاومة الفلسطينية التي عبرت بالفعل عن وفائها لشعبها والأسرى الذين نسيهم العالم والأنظمة العربية، بل وأصبحوا من نافلة القول في الخطاب الرسمي الفلسطيني قبل الإضراب الأخير.

لقد أعادت هذه الصفقة قضية الأسرى الفلسطينيين إلى الواجهة من جديد ، ولعلها ستعيد تفعيل القضية الفلسطينية بشكل يناسب حجمها ومحوريتها وأهميتها الكبرى في العقل الجمعي للأمة وللإنسانية جمعاء.

إن هذه الصفقة تحمل الكثير من المعاني والإشارات التي ستلهم التاريخ كي يسطرها كأهم الأحداث التي دلت على تغير جذري في موازين القوة في هذا العالم ، وبالتالي على قرب تغيرات كبرى ستشهدها الأيام والسنوات المقبلة.

ولعل هذه الصفقة باتت تشير إلى أن بوصلة تحصيل الحقوق أصبحت معروفة لكل ذي لُبٍّ.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق